صحيفة الثورة -أدب وثقافة- صـ9
بتاريخ 17 صفر 1448هـ- الموافق 10/أغسطس/2026م العدد (22544)
الأديب والمفكر عبدالرحمن مراد في حوار مع الثورة:
– الثقافة فعلٌ لبناء الوعي لا ترفٌ للنخبة
– الحوار طريقنا إلى استعادة المعنى في زمن الانقسام
– الشعر والفكر يلتقيان عند سؤال الإنسان
– لا مستقبل للأوطان من دون ثقافة تُنتج الوعي
– نحن لا نشهد انحساراً في المشهد الثقافي بقدر ما نشهد تشظياً وتنويعاً للمسارات
في المشهد الثقافي اليمني، تبرز أسماء سعت إلى الجمع بين الإبداع الأدبي والتفكير النقدي والانشغال بالشأن العام، واضعةً الثقافة في قلب أسئلة المجتمع وتحولاته، ويأتي الأديب والمفكر عبدالرحمن مراد في طليعة هذه الأصوات، إذ تنقلت تجربته بين الشعر والنقد والفكر، وأسهمت كتاباته في مقاربة قضايا الثقافة والهوية والدولة، كما انشغل بالبحث في تحولات الواقع اليمني، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست ترفاً، بل إحدى أدوات بناء الوعي وصناعة المستقبل.
وفي موازاة تجربته الإبداعية والفكرية، يواصل مراد أداء دوره في العمل الثقافي المؤسسي، في مرحلة تواجه فيها الثقافة اليمنية تحديات غير مسبوقة فرضتها سنوات الحرب وتراجع الإمكانات، غير أن هذه الظروف لم تحُل دون استمرار حضوره عبر الكتابة، وإصدار المؤلفات، وإدارة المبادرات الثقافية، والإيمان بأن الكتاب يظل أحد أهم روافع المجتمع، حتى في أكثر اللحظات قسوة.
في هذا الحوار، نتوقف مع الأديب عبدالرحمن مراد عند أبرز محطات مشروعه الفكري والإبداعي، ونحاوره عن علاقة الشعر بالفكر، وعن واقع الثقافة اليمنية ومستقبلها، ودور الهيئة العامة للكتاب في ظل الظروف الراهنة، كما نتناول رؤيته لمفهوم الحوار، وإصداراته الأخيرة، والأسئلة التي ما تزال تشغل مشروعه الثقافي، في محاولة للاقتراب من تجربة ترى في الكلمة مسؤولية، وفي الثقافة فعلاً مستمراً لإنتاج المعنى والدفاع عن الإنسان.
حوار/ خليل المعلمي
– لو بدأنا من العتبة الأولى للتجربة.. كيف تقرأ علاقة الكاتب اليمني بالتحولات العميقة التي يعيشها الوطن؟ وهل الأزمات تصنع نصاً أصيلاً أم تثقل كاهل الإبداع؟
– الكاتب اليمني لا يعيش بمعزل عن جغرافيا الألم والوجع الوطني، فالأدب الحقيقي يولد غالباً من رحم المعاناة والأزمات الكبرى لا تميت الإبداع، بل تختبر صلابته، وفي حالتنا اليمنية وجد الكاتب نفسه أمام تراكمات هائلة من التحديات، ما جعله يحمل همّاً مضاعفاً: همَّ البقاء الإنساني، وهمَّ التعبير عن نبض الشارع وانهياراته. والنص الأصيل، في ظل هذه الظروف، لا يرفض الواقع، بل يغوص في تفاصيله، محاولاً تفكيك خطابه وكشف ملامح الوجع الإنساني، ليكون شاهد صدق على عصره.
– كيف ترصد واقع المشهد الثقافي اليمني في ظل غياب البنى التحتية للمؤسسات وتراجع الاهتمام الرسمي؟ هل نحن أمام حالة انحسار أم إعادة إنتاج للمشهد بصيغ مغايرة؟
– المشهد الثقافي اليوم يعاني تصدعاً حاداً في بنيته المؤسسية، فغياب دور الدولة وتراجع المؤسسات الرسمية تركا فراغاً كبيراً، لكن الثقافة اليمنية كعادتها، تمتلك طاقة مقاومة عجيبة، فقد انتقل الفعل الثقافي من القاعات الرسمية والمؤسسات المركزية إلى الفضاءات الفردية، والمبادرات الشبابية، والمنصات الرقمية، ونحن لا نشهد انحساراً بقدر ما نشهد تشظياً وتنويعاً للمسارات، صحيح أن غياب الدعم المؤسسي يضعف الإنتاج ويشتت الجهود، لكنه في الوقت ذاته يتيح فرصة لولادة أصوات جديدة تنبثق من خارج الأطر التقليدية، وتعبر عن ذاتها بجرأة أكبر، ومن دون وصاية.
– في خضم كل هذه الصراعات، كيف تقرأ موقع الإنسان اليمني في الخطاب الثقافي والأدبي الراهن؟ وهل جرى التعبير عنه بما يكفي، أم أنه ظل ضحية لاستقطاب الخطابات السياسية؟
– للأسف، غالباً ما يُختزل الإنسان اليمني في معادلات الصراع السياسي، أو يُستخدم رقماً في بيانات الحرب، بينما يظل جوهره الإنساني ومعاناته اليومية غائبين عن العمق المطلوب في بعض الخطابات، ودور الأديب والكاتب الحقيقي هو إعادة الاعتبار للإنسان، ولآدميته، ولحقه في الحياة الكريمة، ولأحلامه البسيطة التي أجهضتها رصاصات العبث، والخطاب الثقافي المنحاز للإنسان يجب أن يتجاوز الشعارات والاستقطاب، ليكون صوتاً لمن لا صوت له، ومرآة لكرامة اليمني التي تتهددها شتى أشكال القهر والتشظي.
– برؤيتك التحليلية، ما الملامح الكبرى التي تتوقعها لمستقبل المشهد الثقافي والفكري في اليمن حين تضع الحرب أوزارها؟
– عندما ينجلي غبار هذه المرحلة، سنكتشف أننا بحاجة ماسة إلى عملية نقد ذاتي شاملة على مستوى الفكر والثقافة والسياسة، فالمشهد القادم لن يكون امتداداً لما قبل الحرب، إذ ستترك الجراح العميقة أثرها في لغة الإبداع ومضامينه، وأتوقع بروز جيل أدبي وفكري جديد يتسم بالتمرد على التقاليد البالية، ويمتلك وعياً نقدياً صارماً يرفض تكرار أخطاء الماضي، وسيكون التحدي الأكبر هو كيفية إعادة بناء الجسور الفكرية والوطنية، واستعادة الذاكرة الجمعية اليمنية المهددة بالتشتت، لتكون الثقافة مجدداً رافعةً للتنوير وبناء السلام المجتمعي الحقيقي.
– بصفتكم قامة فكرية وثقافية، كيف تقيمون دور الهيئة العامة للكتاب في هذه الظروف الاستثنائية؟ وما أبرز المعاناة والتحديات التي تواجهونها في ظل شحة الإمكانات؟
– تعد الهيئة العامة للكتاب رئة ثقافية يتنفس منها الوطن، لكنها تعمل اليوم في ظل ظروف معقدة وشديدة القسوة، وتكمن المعاناة أساساً في الانقطاع التام للموازنات التشغيلية، وتوقف اعتمادات الطباعة والنشر، وتراجع القدرة على صيانة المكتبات العامة التي تعرض بعضها للتلف أو الإهمال جراء الصراع. كما فرضت شحة الإمكانات المادية واللوجستية قيوداً كبيرة، وحرمت المؤسسة من تنفيذ العديد من المشاريع الاستراتيجية التي كانت مجدولة للنهوض بالعمل القرائي والبحثي في اليمن.
– رغم هذه العوائق الشديدة، كيف استطاعت الهيئة تحقيق بعض الإنجازات والحفاظ على حضورها الثقافي والفكري؟
– كانت الإرادة والواجب الوطني هما المحرك الأساسي، فعلى الرغم من شحة الموارد، استطعنا الحفاظ على حد معقول من النشاط، سواء بإعادة فتح بعض فروع المكتبات أمام الطلاب والباحثين، أو بتنشيط الفعاليات الندوية والفكرية بجهود ذاتية ومبادرات تطوعية، فضلاً عن السعي إلى حماية وتوثيق ما يمكن حمايته من الذاكرة الوطنية والتراث الفكري، والإنجاز الحقيقي في هذه المرحلة لا يُقاس بحجم المطبوعات أو المهرجانات الضخمة، بل بمدى القدرة على إبقاء جذوة الفكر متقدة، واستمرار المؤسسة في أداء رسالتها الخدمية والتثقيفية رغم الخراب المحيط.
– تُعرف الثقافة دائماً بأنها المساحة المشتركة، كيف تعمل الهيئة على تحقيق التوازن والحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة في زمن الانقسامات والتجاذبات؟
– الثقافة هي الجدار الأخير للوطن، ووظيفتها الجوهرية في زمن الصراعات هي خلق التوازن والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، انحيازاً إلى القيم الإنسانية الجامعة، وتعمل الهيئة بوصفها معقلاً للتنوع والتعدد، فالمكتبة العامة لا تسأل الزائر عن انتمائه، والكتاب يظل مساحة للحوار لا للإلغاء، ونحن ندرك أن السياسة تقسم، بينما الثقافة تجمع، ولذلك نحرص على أن تظل الهيئة مؤسسة جامعة لكل أبناء اليمن، تحمي الهوية الوطنية الفكرية من التفتيت، وتغرس قيم قبول الآخر والتسامح، لتؤكد أن الفكر اليمني العريق قادر على تجاوز لحظات التشظي الطارئة.
– مشروعكم الثقافي والفكري يرتبط بدرجة رئيسة بمسألة “تفكيك الواقع” عبر الحوار، والنقد، وإعادة ترميم المفاهيم. كيف تجلى هذا الطرح في نتاجكم الفكري المكتوب؟ وما أبرز المحطات والكتابات التي قدمتموها في هذا المسار؟
– لم تكن النتاجات الفكرية والأدبية التي أصدرتها، سواء في دواويني الشعرية أو في الدراسات والمقالات النقدية والسياسية، سوى محاولات لتشريح الواقع اليمني والعربي وقراءته من الداخل، ويقوم هذا المشروع أساساً على مبدأ أن “الحوار النقدي” هو الوسيلة الأنجع لتفكيك بنية الأزمات والمسلمات المغلوطة، ومن خلال إصداراتي المتنوعة، حاولت المزج بين البعد الجمالي والوعي الفكري، فالشعر يتناول الوجع والوجود والتجربة الإنسانية، بينما تذهب الدراسات والقراءات النقدية إلى تشريح الخطاب السائد، وإماطة اللثام عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى هذا الانسداد، والنقد بالنسبة إليّ، ليس مجرد انطباعات جمالية، بل أداة فاعلة لرفع الوعي وإعادة التفكير في الثوابت والتحولات.
– نحن نعيش في واقع يمر بمرحلة “تجريف واستنزاف” مستمر للمفاهيم والمصطلحات، حيث تُسلب الكلمات معانيها، وتتحول الوطنية والحرية والسلام إلى أدوات في الصراع. كيف يرى الكاتب عبدالرحمن مراد الحفاظ على “المعنى” في زمن الخراب الفكري؟
– أكبر خطر يتهدد المجتمعات في أوقات الحروب والأزمات ليس الخراب المادي فحسب، بل تزييف وعيها وإفراغ المفاهيم من مضامينها الحقيقية. وما نشهده اليوم هو عملية تضخيم واستقطاب تُسخَّر فيها اللغة لخلق الزيف وتغييب الحقائق، والحفاظ على المعنى هو المهمة الأسمى والأكثر خطورة للكاتب والمثقف؛ فهو يقتضي حماية اللغة والمصطلح من الامتهان، والتمسك بالصدق المعرفي، ورفض الانجراف خلف المزايدات، ويحافظ الكاتب على المعنى عندما يُصرّ على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويرفض تحويل النص إلى أداة للدعاية، فالكلمة الشريفة هي الحصن الأخير في مواجهة تشويه الوعي، ومسؤوليتنا أن نظل نحرس هذه الكلمات، ونعيد إليها كرامتها ودلالاتها الإنسانية الأصيلة، حتى لا نضيع في صحراء التضليل.
– شهدت السنوات الأخيرة صدور عدد من مؤلفاتكم التي تنوعت بين الشعر، والنقد، والفكر السياسي والثقافي، هل تنظرون إلى هذه الإصدارات بوصفها أعمالاً مستقلة، أم أنها أجزاء من مشروع فكري واحد؟
– أنظر إلى هذه الكتب بوصفها حلقات في مشروع معرفي واحد، وإن اختلفت أجناسها الأدبية والفكرية، فالشعر عندي ليس معزولاً عن الفكر، كما أن الدراسات النقدية ليست بعيدة عن الحس الجمالي، جميع هذه الأعمال تحاول أن تجيب عن سؤال واحد: كيف نفهم الإنسان والواقع، وكيف نستعيد قدرة الثقافة على إنتاج المعنى في زمن تتكاثر فيه الأوهام والانقسامات؟ لذلك فإن دواوين الشعر، والحوارات، والكتب الفكرية، كلها تتكامل لتشكل رؤية واحدة، تختلف أدواتها وتتحد غاياتها.
– من بين أحدث إصداراتكم كتاب “أصوات على حافة المعنى”، الذي يضم حوارات شعرية ورؤى نقدية، ما الذي أردتم إضافته إلى المشهد النقدي من خلال هذا العمل؟
– هذا الكتاب يمثل تجربة مختلفة،
وقد انطلق من قناعة راسخة بأن النقد ليس سلطة تصدر الأحكام، بل فعل حوار يفتح النص على احتمالات جديدة للقراءة، وقد حاولت أن أقدم نموذجاً نقدياً يقوم على الإنصات للنص قبل محاكمته، وعلى اكتشاف ما يختبئ خلف اللغة من رؤى وأسئلة وتجارب إنسانية، لذلك لم تكن الحوارات الواردة في الكتاب مجرد مقابلات، بل فضاءات للتفكير المشترك، تسعى إلى إعادة الاعتبار للحوار بوصفه أداة لإنتاج المعرفة، وإلى تجاوز القراءة الانطباعية نحو قراءة تستند إلى الوعي الجمالي والثقافي معاً.
– أصدرتم أيضاً كتباً فكرية وسياسية تناولت الدولة، والتحولات اليمنية، ومستقبل الثقافة، هل ترون أن المثقف مطالب اليوم بأن يكتب في السياسة كما يكتب في الأدب؟
– المثقف ليس سياسياً بالمعنى الحزبي، لكنه مسؤول عن إنتاج الوعي، وعندما تصبح السياسة مؤثرة في مصير الإنسان، فإن الصمت يتحول إلى موقف، ما أكتبه في الفكر السياسي لا ينطلق من الاصطفاف، وإنما من البحث عن الدولة العادلة، وعن قيم المواطنة، وسيادة القانون، وبناء الإنسان، لذلك فإن الأدب والفكر والسياسة تلتقي جميعها عند سؤال الإنسان ومستقبله.
– هناك من يلاحظ أن كتاباتكم الأخيرة أصبحت أكثر ميلاً إلى الحوار، وإعادة مساءلة المفاهيم، بدلاً من إطلاق الأحكام، هل هي مرحلة جديدة في مشروعكم الفكري؟
– نعم، لأنني أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات النهائية، فالمجتمعات لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالنقد والحوار، وإعادة النظر في المسلمات، ولذلك فإن كثيراً من أعمالي الأخيرة تقوم على تفكيك المفاهيم وإعادة بنائها، لأن أزمة مجتمعاتنا هي في جانب كبير منها أزمة مفاهيم قبل أن تكون أزمة وقائع.
– عرفك القارئ شاعراً قبل أن يعرفك باحثاً وناقداً، كيف استطاع الشعر أن يحافظ على مكانه في مشروعك الفكري رغم انشغالك بالفكر والثقافة والعمل المؤسسي؟
– الشعر بالنسبة إليّ ليس مرحلة سبقت الفكر، ولا هامشاً يجاوره، وإنما هو المنبع الذي تتغذى منه بقية الكتابات، فالقصيدة كانت نافذتي الأولى إلى العالم، ومنها تعلمت الإصغاء إلى الإنسان، وإلى الأسئلة الكبرى التي تشغل الوجود، وما كتبته لاحقاً في النقد والفكر والسياسة لم يكن انقطاعاً عن الشعر، بل امتداداً له بلغة أخرى، فإذا كانت القصيدة تبحث عن الحقيقة من خلال الصورة والإيقاع، فإن الدراسة الفكرية تبحث عنها بالحجة والتحليل، غير أن الغاية واحدة، وهي فهم الإنسان والدفاع عن قيم الحرية والعدل والجمال، ولذلك لم أشعر يوماً أن العمل الثقافي أو المؤسسي أبعدني عن الشعر، بل منحني تجربة أوسع، وجعل القصيدة أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر قدرة على استيعاب أسئلته.
– في ديوان “ريم رامة” يتجاور الهم الوطني مع الرؤية الجمالية، هل ترى أن القصيدة قادرة على أن تؤدي دوراً معرفياً إلى جانب بعدها الفني؟
– لا أؤمن بالقصيدة التي تتحول إلى خطاب مباشر، كما لا أؤمن بالشعر المنعزل عن قضايا الإنسان، فالقصيدة الحقيقية تنتج المعرفة بطريقتها الخاصة، إذ تعيد ترتيب علاقتنا بالعالم، وتفتح أفقاً جديداً للتأمل، وتوقظ فينا الأسئلة التي قد تعجز اللغة المباشرة عن إثارتها، في “ريم رامة” لم يكن الوطن شعاراً سياسياً، بل كان كائناً حياً يحمل ذاكرته وأحلامه وجراحه، وكانت الرؤية الجمالية وسيلتي لاستعادة الإنسان من داخل الخراب، لأن الجمال في النهاية أحد أشكال مقاومة القبح، كما أن الشعر أحد أشكال مقاومة النسيان.
– تبدو كتبكم الفكرية والسياسية، مثل “مقاربات لفهم الحالة السياسية في اليمن” و”مقاربات في بناء الدولة الحديثة”، امتداداً لأسئلة الشعر أكثر من كونها انتقالاً إلى حقل آخر، كيف تنظرون إلى العلاقة بين الأدب والفكر في مشروعكم؟
– لا أرى حدوداً فاصلة بين الأدب والفكر، فكلاهما محاولة لفهم الإنسان والواقع، قد تختلف اللغة والأدوات، لكنهما يلتقيان عند البحث عن الحقيقة، ولذلك جاءت هذه الكتب امتداداً للأسئلة التي طرحتها القصيدة منذ وقت مبكر، ولكن بمنهج تحليلي يقتضي قراءة الوقائع، وتشخيص الأزمات، واستشراف إمكانات الخروج منها، وما يعنيني في النهاية هو أن يسهم الأدب في توسيع الوعي، وأن يسهم الفكر في تعميق الحس الإنساني، لأن الثقافة لا تنهض إلا عندما يتكامل البعد الجمالي مع البعد المعرفي.
– من يقرأ أعمالكم يلاحظ حضور مفهوم الحوار بوصفه منهجاً في التفكير، وليس مجرد وسيلة للتواصل، لماذا أصبح الحوار محوراً رئيساً في كتاباتكم؟
– لأنني أؤمن بأن الأزمات الكبرى تبدأ عندما يتوقف الناس عن الإصغاء إلى بعضهم بعضاً، والحوار، في تقديري، ليس تبادلاً للكلمات، بل اعتراف متبادل بالحق في الاختلاف، وبأن الحقيقة لا يمتلكها طرف واحد، ولهذا سعيت في معظم كتاباتي إلى ترسيخ ثقافة السؤال بدلاً من يقين الإجابة، وثقافة النقاش بدلاً من الإقصاء، فالحوار ليس تقنية في الكتابة، وإنما رؤية معرفية وأخلاقية، تقوم على أن بناء الوعي يبدأ من احترام العقل، وأن المستقبل لا يصنعه الصوت الأعلى، بل الفكرة الأعمق.
– ما المشروع الذي تعملون عليه اليوم؟ وهل ينتظر القارئ إصداراً جديداً في الشعر أم في الفكر والنقد؟
– لا أحب أن أتحدث كثيراً عن المشاريع قبل اكتمالها، لكنني ما زلت أواصل الكتابة في أكثر من اتجاه، لأنني أرى أن لكل مرحلة أسئلتها التي تفرض شكلها الأدبي أو الفكري، هناك أعمال شعرية أراجعها منذ فترة، إلى جانب مشاريع فكرية ونقدية تتصل بالثقافة اليمنية، وأسئلة الدولة، وتحولات الوعي العربي، وما أتمناه هو أن تكون هذه الأعمال إضافة حقيقية إلى المكتبة العربية، وأن تسهم ولو بقدر يسير في تعزيز ثقافة الحوار، وترسيخ قيم المعرفة، والدفاع عن الإنسان بوصفه القيمة العليا التي ينبغي أن تلتقي عندها جميع الكتابات.
– بعد هذه الرحلة الطويلة بين الشعر والفكر والعمل الثقافي، ماذا بقي في داخلك من أحلام عبدالرحمن مراد؟
– بقي الإيمان بأن الكلمة الصادقة لا تهزم، وأن الثقافة ليست ترفاً، بل شرط من شروط بقاء الأمم، قد تتعثر الأوطان، وتتغير الوقائع، لكن الفكر الجاد يظل قادراً على إعادة بناء الإنسان، وما أرجوه أن يبقى الكتاب منارةً، وأن تبقى القصيدة شاهداً على زمنها، وأن يظل المثقف وفياً لرسالته في الدفاع عن الحقيقة والجمال والحرية.


