

صحيفة 26 سبتمبر العدد 2478 بتاريخ الاثنين ٢٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ – 05 تشرين1/أكتوير 2026 م
*رئيس الهيئة العامة للكتاب لـ “26 سبتمبر”:لا يجوز أن تبقى مخطوطات شاعر بحجم البردوني رهينة التداول الخاص
لم يكن صدور «رحلة ابن شاب قرناها» و«العشق على مرافئ القمر» عام 2022م مجرد حدث أدبي عابر. فقد خرج إلى العلن، بعد أكثر من عقدين على رحيل الشاعر والأديب عبدالله البردوني، نص شعري ظل بعيدًا عن التداول الرسمي، فتحول السؤال من: ماذا كتب البردوني؟ إلى سؤال أكثر حساسية: هل ما نُشر هو فعلًا شعر البردوني؟
سرعان ما اتسعت دائرة النقاش، وظهرت تشكيكات في نسبة الديوانين، واعتراضات على بعض اللغة والأسلوب والهوامش والمضامين. ووصل الجدل إلى الصحافة العربية، بينما أكدت الهيئة العامة للكتاب في صنعاء أنها تعاملت مع المخطوطين بوصفهما مادة تراثية تحتاج إلى التوثيق والمراجعة، وأنها استعانت بعدد من المقربين من البردوني وراجعت النصوص مع المخطوطات.
اليوم، وبعد أن مضت الهيئة خطوة أبعد بإدماج الديوانين في الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني الصادرة في أربعة أجزاء، وإرفاق المخطوط الذي تسلمته من ورثة الشاعر في الجزء الرابع، يعود السؤال من جديد، ولكن هذه المرة من بوابة الوثيقة.
في هذا الحوار، يتحدث الأستاذ عبدالرحمن مراد رئيس الهيئة العامة للكتاب عن القصة من بدايتها، وعن المخطوط، والجدل، ومسؤولية المؤسسة، ولماذا يرى أن نشر الوثيقة هو الرد الأهم على كل الأسئلة… إلى التفاصيل:
حاوره: عبدالجبار الوجيه
– لنبدأ من السؤال الأكثر إثارة للجدل: لماذا نشرت الهيئة ديوانين لم ينشرا في حياة البردوني، ثم وضعت اسم الشاعر عليهما؟
لأن الهيئة لم تتعامل مع الديوانين باعتبارهما نصين مجهولي المصدر ظهرا فجأة، وإنما باعتبارهما مخطوطين وصلا إليها ضمن سياق توثيقي محدد.
كان أمامنا تراث أدبي لشاعر كبير، وهناك مادة مخطوطة متداولة، وهناك روايات ونسخ وشهادات مرتبطة بها، وكانت المسألة تحتاج إلى مؤسسة تتحمل مسؤولية التحقق والنشر.
كان السؤال أمامنا واضحًا: هل نترك المخطوط في دائرة التداول الخاص، أم نضعه أمام الباحثين والقراء بعد إخضاعه للمراجعة؟
اخترنا الطريق الثاني.
لكن الاعتراض لم يكن بسيطًا. بعض الشعراء والنقاد قالوا إن النصوص لا تشبه البردوني، وإن فيها ركاكة وأخطاء لغوية وهوامش أثارت الريبة.
هذا حقهم إذا كان المقصود ممارسة النقد.. لكن هناك فرق بين أن تقول: «هذا النص يحتاج إلى دراسة نقدية»، وبين أن تنتقل مباشرة إلى القول: «هذا النص ليس للبردوني”.
الأول سؤال مشروع، والثاني يحتاج إلى دليل.
النص الأدبي لا تثبت نسبته أو تنفى بمجرد الانطباع. قد يقرأ الناقد قصيدة فلا تعجبه، وقد يرى فيها ضعفًا، وقد يجد فيها خروجًا عن المستوى الذي اعتاده عند الشاعر؛ لكن هذا لا يكفي وحده لإسقاط نسبتها.
ولو طبقنا هذا المعيار على التراث العربي كله، لاضطررنا إلى إعادة النظر في عشرات النصوص التي اختلفت مستوياتها داخل تجربة الشاعر الواحد.
– هناك من قال إن مجرد وجود أخطاء لغوية لا ينسجم مع البردوني، الشاعر المعروف بتمكنه من اللغة. ألا ترى أن هذه ملاحظة جوهرية؟
هي ملاحظة تستحق البحث، لكنها ليست حكمًا نهائيًا. ينبغي أولًا أن نعرف: هل الخطأ في المخطوط نفسه؟ أم في التفريغ؟ أم في النسخة المنقولة؟ أم في القراءة الطباعية؟ أم في الهامش الذي كتبه المحقق أو الناشر؟
ثم إننا نتحدث عن مخطوطات لا عن نصوص نشرها الشاعر بنفسه في كتاب نهائي وأقر طبعته.
لهذا فإن الطريق الصحيح هو مقابلة الأصل بالمنشور، وليس محاكمة النص من خلال انطباعنا عنه.
– لكن لماذا لم تُنشر صورة المخطوط منذ البداية وتنتهِ القضية؟
هذا سؤال مهم، وربما هو أحد أهم الدروس التي خرجنا بها من التجربة.
في البداية كان اهتمامنا منصبًا على استكمال إجراءات التوثيق والمراجعة والطباعة. ثم اتضح أن أفضل وسيلة لإنهاء مساحة واسعة من الجدل هي إتاحة الوثيقة نفسها.
ولهذا جاء نشر الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء خطوة مختلفة؛ إذ لم نكتفِ بإعادة طباعة الديوانين، وإنما أرفقنا صورة المخطوط الذي تسلمته الهيئة في الجزء الرابع.
بمعنى آخر: انتقلنا من القول «ثقوا بما نقول» إلى القول: «هذه الوثيقة أمامكم؛ افحصوها بأنفسكم”.
– وهل تعتقد أن إرفاق المخطوط يحسم الجدل نهائيًا؟
لا. وهنا يجب أن نكون دقيقين. المخطوط لا يغلق باب البحث، وإنما يفتح الباب الصحيح له.
إذا جاء باحث وقال إن هناك نسخة أقدم، فليقدمها. وإذا وجد اختلافًا بين نسخة وأخرى، فليعرضه. وإذا كانت لديه قرائن تاريخية أو لغوية تستحق الدراسة، فلتناقش.
ما نرفضه ليس النقد، وإنما أن يصبح الاتهام بديلًا عن التحقيق.
– بعض ما نشر في الصحافة ذهب أبعد من النقد الأدبي، واتهم الهيئة بالتلاعب بتراث البردوني وتوظيفه سياسيًا. كيف ترد؟
هنا ينبغي التفريق بين أمرين.
الأول: أن ينتقد شخصٌ مضمون قصيدة أو يختلف مع قراءة سياسية أو تاريخية وردت فيها؛ وهذا حقه.
والثاني: أن يتهم مؤسسة بأنها غيّرت نصوص شاعر رحيله سابق على عملية النشر بعشرات السنين. هذه تهمة كبيرة، ولا ينبغي إطلاقها من دون دليل مادي.
لقد قيل الكثير في الصحافة وفي مواقع التواصل، ووصل الأمر إلى التشكيك في أصل الديوانين. لكن الهيئة أعلنت منذ البداية أنها وثقت عملية الاستلام والمراجعة، وأنها استعانت بأشخاص كانت لهم صلة مباشرة بالبردوني، كما أشارت إلى تداول عدد من القصائد قبل صدور الديوانين.
ومن لديه دليل معاكس، فليقدمه.
– لكن بعض النقاد قالوا إن المشكلة ليست في وجود مخطوط فقط، وإنما في مدى صحة نسبة المخطوط نفسه إلى البردوني.
وهذا تحديدًا هو السؤال العلمي الحقيقي. ولهذا لا يكفي أن نقول: «لدينا مخطوط». بل يجب أن نسأل: من أين جاء؟ ومن احتفظ به؟ ومن سلمه؟ وما علاقته بأسرة الشاعر؟ وهل توجد نسخ أخرى؟ وهل تتطابق النصوص؟
وقد كان هذا جزءًا من الإجراءات التي تعاملنا معها.
كما أن قصة الديوانين لم تبدأ يوم دخلا مطبعة الهيئة؛ فقد كانت هناك مادة متداولة ونصوص منشورة قبل ذلك في صحف وملاحق ثقافية، وهذه مسألة يمكن للباحث أن يعود إليها ويفحصها.
هناك أيضًا جدل حول عنوان «رحلة ابن شاب قرناها». لماذا تمسكتم بهذه الصيغة؟
لأن الهيئة لم تكن صاحبة النص حتى تعيد صياغة عنوانه وفق ما يراه هذا الشخص أو ذاك.
العنوان كما ورد في المخطوط هو الذي اعتمدناه. وقد أثير سؤال حول صيغة أخرى قيل إن البردوني تحدث عنها في مقابلات سابقة، لكن موقف الهيئة كان أن العنوان المطبوع هو العنوان الوارد في المخطوط، وأن «شاب قرناها» اسم مركب، وليس للناشر أن يغير عنوان النص المخطوط من تلقاء نفسه.
– هل كان الجدل متوقعًا؟
نعم. ليس لأننا كنا نعرف أن النصوص غير صحيحة، وإنما لأن نشر مادة جديدة لشاعر بحجم البردوني بعد أكثر من عشرين عامًا من رحيله أمر شديد الحساسية لأن البردوني ليس شاعرًا عاديًا في الذاكرة اليمنية والعربية.
فكل كلمة تنسب إليه ستخضع للمساءلة، وهذا طبيعي.
لكن ما لم يكن طبيعيًا هو أن يتحول السؤال العلمي إلى محاكمة سياسية قبل أن تُفحص الوثيقة.
– البعض قال إن توقيت النشر نفسه كان سياسيًا، خصوصًا أن الإصدار جاء في ظل الحرب والانقسام اليمني.
توقيت النشر يمكن أن يفسره كل طرف بالطريقة التي يراها، لكن هذا لا يثبت شيئًا بشأن النص نفسه.
المؤسسة الثقافية تعمل في زمن محدد، ولا تستطيع أن تنتظر حتى تنتهي كل الأزمات السياسية في اليمن لكي تطبع كتابًا.
والأهم من التوقيت هو: ماذا فعلت المؤسسة بالنص؟
هل أخفته؟ هل منعته من التداول؟ هل أتلفت أصله؟ أم استلمته ووثقته وراجعته ونشرته وأتاحت صورته للباحثين؟
أنا أعتقد أن السؤال الأخير هو الذي ينبغي أن يظل حاضرًا.
– هل تقول إن الجدل حول الديوانين كان سياسيًا بالكامل؟
لا أقول ذلك بهذه الصيغة المطلقة. كان هناك نقد أدبي حقيقي، وكانت هناك أسئلة حول اللغة والأسلوب والعناوين وبعض المضامين، وهذه أسئلة لا ينبغي إلغاؤها.
لكنني أقول إن الجدل اتخذ أيضًا أبعادًا سياسية وإعلامية تجاوزت أحيانًا حدود السؤال الأدبي.
وهنا ينبغي ألا نخلط بين المجالين.
– وهل ترى أن منتقدي الديوانين أخطأوا عندما شككوا فيهما؟
لا. من حق أي ناقد أن يشكك إذا كان لديه ما يستند إليه.
لكن عليه، في المقابل، أن يميز بين الشك بوصفه بداية للبحث، والشك بوصفه حكمًا نهائيًا.
أنا لا أخشى أن يقول باحث إن ديوانًا ما ليس للبردوني، إذا قدم الأدلة. بل إنني أرحب بذلك؛ لأننا في النهاية نبحث عن الحقيقة، لا عن انتصار مؤسسة على ناقد أو انتصار ناقد على مؤسسة.
– إذن ما الذي تغير بين إصدار الديوانين عام 2022م وإصدار الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء؟
تغير شيء جوهري. في الإصدار الأول كان القارئ أمام ديوانين جديدين أثارا السؤال. أما في إصدار الأعمال الشعرية الكاملة، فقد أصبح الديوانان داخل سياق أوسع هو السياق الكامل لتجربة البردوني الشعرية.
والأهم أن الجزء الرابع أرفق صورة المخطوط الذي تسلمته الهيئة.
وهذا يعني أن القارئ والباحث لم يعودا أمام نص مجرد، بل أمام النص والوثيقة معًا.
– هل كان إدخال الديوانين ضمن الأعمال الشعرية الكاملة قرارًا مقصودًا للرد على المشككين؟
كان قرارًا ثقافيًا وتوثيقيًا بالدرجة الأولى. نحن لا نريد أن يبقى الديوانان في منطقة «الأعمال المختلف عليها» إلى الأبد.
إذا كانت المادة جزءًا من تراث البردوني، فمن الطبيعي أن تدخل في سياق أعماله وإذا ظهر لاحقًا دليل علمي معتبر يستدعي إعادة النظر في نص أو قصيدة، فإن العلم لا يخاف من المراجعة.
*لكن ألا ترى أن نشر الأعمال الشعرية الكاملة قبل انتهاء الجدل حول نسبة الديوانين قد يكون سابقًا لأوانه؟*
لو كان المقصود إغلاق باب البحث، لكان السؤال في محله. لكننا فعلنا العكس. أتحنا النص، وأتحنا المخطوط.
العمل العلمي لا يشترط أن نتوقف عن النشر حتى يتفق الجميع.
لو انتظرنا إجماع النقاد، فلن ننشر شيئًا. المهم أن تكون المادة متاحة، وأن تكون إجراءات النشر واضحة، وأن يستطيع الباحث أن يعود إلى الأصل.
– ماذا تقول اليوم لمن لا يزال يقول: «أنا لا أصدق أن هذين الديوانين للبردوني»؟
أقول له: لا تصدق لمجرد أن أحدًا طلب منك التصديق. لكن أيضًا لا تنكر لمجرد أن النص لم يعجبك. اذهب إلى الوثيقة. اقرأ الديوان. قارن نسخه.
فتش عن القصائد المنشورة قبل عام 2022م. قارن المخطوط بالمطبوع.
ثم اكتب حكمك. هذا هو الطريق الذي يحفظ للبردوني مكانته، ويحفظ للباحث حقه، ويحفظ للمؤسسة مسؤوليتها.
– لو عاد بك الزمن إلى عام 2022م، هل كنت ستنشر الديوانين بالطريقة نفسها؟
كنت سأحرص، منذ الإصدار الأول، على إتاحة مساحة أكبر للوثائق المصاحبة للمخطوط. التجربة علمتنا أن التراث الكبير يحتاج إلى أكثر من الطباعة. يحتاج إلى ملف توثيقي كامل.
وهذا ما حاولنا تداركه في إصدار الأعمال الشعرية الكاملة بإرفاق المخطوط.
– وهل يمكن أن نشهد مستقبلًا نشر بقية مخطوطات البردوني بالطريقة نفسها؟
إذا وصلت مواد أخرى يمكن التحقق منها، فالمبدأ واضح: لا يجوز أن تبقى مخطوطات شاعر بحجم البردوني رهينة التداول الخاص. لكن لا بد من التحقق من مصدرها ونسبتها وحالتها قبل نشرها.
المؤسسة الوطنية مسؤولة عن حماية التراث، وليس عن مجرد ملء رفوف المكتبة بعناوين جديدة.
– ما الرسالة التي تريد أن تتركها للباحثين الذين سيعودون إلى الديوانين بعد سنوات؟
أقول لهم: لا تتعاملوا مع ما نشرته الهيئة باعتباره نصًا مقدسًا لا يُراجع، ولا باعتباره نصًا مزورًا لمجرد أن أحدًا قال ذلك. تعاملوا معه باعتباره مادة تراثية متاحة للفحص. نحن نشرنا ما وصل إلينا، ووثقنا ما استطعنا توثيقه، وأتحنا المخطوط. أما الحكم النهائي، فليس ملك مؤسسة ولا شخص. الحكم النهائي للبحث.
– إذن، بعد كل هذا الجدل، أين تقف القضية اليوم؟
أعتقد أنها انتقلت من مرحلة السجال إلى مرحلة أكثر نضجًا.
في البداية كان السؤال: «هل هذه دواوين البردوني؟»
ثم أصبح السؤال: «أين المخطوط؟ ومن أين جاء؟ وكيف تم التعامل معه؟»
واليوم المخطوط منشور ضمن الجزء الرابع من الأعمال الشعرية الكاملة.
لذلك أقول ببساطة: لقد انتهى زمن الحديث عن مخطوط لا يراه أحد، وبدأ زمن الحديث عن مخطوط يستطيع الباحث أن يراه ويفحصه.
وهذا، في رأيي، هو التطور الأهم في القضية كلها.
– كلمة أخيرة تودون قولها لم نتطرق لها في اللقاء؟
البردوني لا يحتاج إلى حماية من النقد… الذي يحتاج إلى الحماية هو تراثه من الضياع. ومن حق كل يمني أن يسأل، ومن حق كل باحث أن يشكك، ومن حق كل ناقد أن يعترض. لكن في المقابل، من حق الوثيقة أن تُقرأ.
ولهذا أعتقد أن أفضل ما يمكن أن نفعله اليوم ليس إعادة إنتاج المعركة التي حدثت عام 2022م، وإنما فتح النصوص والمخطوطات أمام الباحثين.
إذا ثبتت صحة النصوص، فسيثبتها البحث. وإذا ظهرت ملاحظات عليها، فسيكشفها البحث. أما تحويل البردوني إلى طرف في معاركنا السياسية والإعلامية، فلن يخدم البردوني ولا الثقافة اليمنية.
لقد نشرنا الديوانين، ثم نشرنا المخطوط الذي استندنا إليه. والآن الدور على الباحثين


