الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

مدرسة حجة الغنائية

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

كتب المقال/زيد الفقيه

شكل الشاعران علي عبد الرحمن جحاف، وحسن عبد الله الشرفي ثنائيان رائعان ومبهجان، قدما القصيدة الشعبية والفصيحة ـ غنائية كانت أم غير غنائية ـ بأسلوب شيِّقٍ وسلسٍ وبلغة مختلفة ومدهشة، اختارا مفرداتها من البيئة التي عاشا فيها فجاءت مختلفة عن سائر شعر العامية في اليمن، إذ استقت مفرداتها من الحياة الرعوية البسيطة في محافظة حجة، ووظفها الشاعران في سياقات جميلة وتعبير جميل، ذلك مثل قول جحاف في قصيدة “على جبال الهناء”:
ـ لا قلت مغرب دنا ** برَّكت قبلك جَمَلنا
ـ كان الجمل تكسنا ** والكلب حارس غنمنا 1
وكذلك قول الشرفي في قصيدة ” العصفور”:
ـ يا ريتني في جباكم عُصْفري ** وإلَّا حمامي على امْكُنَّهْ يدور
ـ أتْشاقَرك من قُبال اممشْقُري ** واسبِّح الله خَــلاق البُـــدُور 2

تجد في الأبيات السابقة المفردات النابعة من بيئة الشاعرين مثل:
برَّكت، جملنا، تكسنا، الكلب، غنمنا، جباكم، عصفري، أمكُنَّة، يدور، أتشاقرك، قبال، اممشقري، هذه المفردات وغيرها كانت بمثابة اللآلئ في سياق نصوصها الكاملة، إذ شكلت المفردات المحلية النادرة في قصائد جحاف والشرفي الغنائية مدرسة غنائية ذات طابع محلي ينتمي إلى محافظتهما حجة التي تتجاذبها بيئتان مختلفتان هما الساحل والجبل، لذلك كتبا بلسان هاتين البيئتين اللّتين سنتخيَّر نماذجاً لمفرداتهما في القصائد الغنائية للشاعرين، وليس أدل على ما ذهبنا إليه من كلمات الشاعر علي عبدالرحمن جحاف في غنائيته المشهورة : “واطاير امغرب ” التي وجهها للشاعر حسن عبدالله الشرفي، وهو المقصود بطائر امغرب، إذ حشد فيها من الألفاظ الشعبية التهامية ما يؤهلها لتكون معجماً لفظياً شعبياً متفرداً، ما دفع الشاعر والمؤرخ مطهر الارياني على إيرادها كاملة في كتابه المهم جداً المعجم اليمني في اللغة والتراث ج1 ص506 ومما جاء فيها :
ـ واطاير امغرب ذي وجَّهت سنَّ امتهايم ** قلبي ضناه امعذاب
ـ أحيان في امزيديه واحيان منها وشايم ** شيَّب وعاده شباب
ـ سقِّم أشا اتسايلك واخوْ امطيور امحَوايِم ** عسى تردِّ ام جواب
إلى ان يقول فيها:
ـ عهديْ بِعَيْشْ امهَنا التَّامسْ ولي قلب سالي ** يهوى امطرب ومتنفَّاس
ـ في امخبت وأنا بتا مْدَبْعَةْ محَمِّل جمالي ** من ام خَمِيْسْ لا جَبَلْ راس 3

ولعل هذا الجمال اللفظي المتفرد هو ما أدهش الشاعر الفضول عند سماعها مغنَّاة بصوت أيوب طارش ليأذن له بقوله المشهور: ” ما مثل هذه القصائد كن غنها دون إذنٍ مني” حسب الرواية المتداولة بين الناس، هذه القصيدة حفَّزت الشاعر حسن عبد الله الشرفي لأن يكتب قصيدته الغنائية الشهيرة ” مطر مطر” والتي غناها أيوب طارش ايضاً وهي تضج بمفردات الأرض والإنسان وتنتمي إلى البيئة اليمنية المحلية إذ يقول فيها:
ـ مطر مطر والظِّبَاء بينه تدَوِّرْ مكنَّهْ ** ياريت وأنا سَقِيْفْ
ـ يا ريتَ أنا خِدْرُ بدْوي كُلِّهن ْ يَدْخُلَنِّه ** لَوْما يِروحْ امْخَرِيْف
ـ يا رَيْت انا كُوزْ بارِدْ وَحْدَهنْ يَشْرَبَنَّه ** علَى شُوَيَّةْ صعيفْ
يَسْقيْ هوانا غمام امصَيفْ ورْدي وحَبْشُوشْ
وسامح اللهُ أحبابي على سفح الاحْبُوشْ 4

هذا التنافس المحبب والجميل دفع بالشاعرين إلى تأسيس ما يمكن تسميته بمدرسة حجة الغنائية، التي ظهرت ملامحها في ما كتباه لا حقاً لأن له طابعه الخاص ونكهته الخاصة، إذ نلحظ هذه المفردات المرتبطة بالبيئة المحلية، وهذا إن دلَّ على شيء إنما يدل على ارتباط الشاعرين ببيئتهما، ارضاً وإنساناً، ولعمري ان هذا السمت لهو سمت النجباء الإنسانيون أينما وجدوا على وجه هذه البسيطة، كما قال النقاذ قديما أن الشاعر ابن بيئته، ويعبِّر الشرفي عن ذلك بالقول: ” لكل نصٍ وجهه ووجهته في الشكل وفي الدلالة، وللقارئ ثقافته وذائقته، اما أنا فبين نصٍّ وآخر أكون أنا وأكون سواي، … تماماً كما أكون بين القرية ببساطتها وبين المدينة بصخبها … أحببت في القرية كما أحببت في المدينة … حزنت في القرية كما حزنت في المدينة”5 .
ومما كُتِبَ عن شعر جحاف وصفه بانه معبرٌ عن ضمير الأمة، نابعٌ من أعماقها، مترجمٌ لآلآمها وآمالها وأحلامها، مجسدٌ للمعاني الخيِّرة في الإنسان، ومستقى من قيم الإسلام ومُثِله، … أستوعب دوره في الحياة المتجددة المتطورة” 6 .
وبالعودة إلى المفردات في النصين السابقين نجد ملامح الأرض والإنسان في هذه الأبيات تتجلى في أنصع صورها من خلال المفردات الشعبية التالية:
طاير امغرب، وجَّهت سنَّ امتهايم،
أحيان في امزيديه، واحيان منها وشايم،
سقِّم أشا اتسايلك،
عهديْ بِعَيْشْ امهَنا التَّامسْ ولي قلب سالي
يهوى امطرب ومتنفَّاس
امخبت وأنا بتا مْدَبْعَةْ محَمِّل جمالي
ففي السطر الأول “طائر امغرب” حين لا نأخذ بالتورية التي قصدها الشاعر سنجد أن الطائر هو كائنٌ حيٌ من الطبيعة، ومن ثمَّ فقد جمع بهذا اللفظ بين الإنسان والطير، “وجهت سنِّ امتهايم” تعني توجَّهت نحو امتهايم، هنا قصد الشاعر الأرض المتمثِّلة بتهامة، وفي السطر الثاني بدأ بمسميات تلك المناطق مثل: أم زيدية منها وشايم أي منها متجهاً شمالاً، ثم يستوقفك بقوله :” سقِّم” أي قف ليسألك في السطر الثالث، أما في السطر الرابع فيخبرك بانه دوماً يعيش الهنا في الليلة الماضية، أي ليلة أمس، وفي السطر الخامس يريد القول أن قلبه يهوى الطرب والمسامرة ومتنفَّاس، وفي السطر السادس فيخبرك بانه في الخبت بهذه الهيئة ويقصد بها شكل ربطة الرأس، أو الهيئة التي عليها ربطة الرأس، وليس الرأس نفسه كما وردت في موسوعة شعر الغناء اليمني، وفي نص الشرفي أيضاً جاءت ألفاظها تحاكي الأرض والإنسان كما يلي:
مطر مطر، والظِّبَاء بينه تدَوِّرْ مكنَّهْ
ياريت وأنا سَقِيْفْ
يا ريتَ أنا خِدْرُ بدْوي كُلِّهن ْ يَدْخُلَنِّه
لَوْما يِروحْ امْخَرِيْف
يا رَيْت انا كُوزْ بارِدْ
وَحْدَهنْ يَشْرَبَنَّه
علَى شُوَيَّةْ صعيفْ

أنها قمة الإدهاش وهو يمازج بين الإنسان والطبيعة في جمل شعرية تتقطر عذوبة، ففي السطر الأول يُمْطِرْ السماء ماءً عذباً ليهطل على الصبايا الجميلات اللاتي شبَّههن بالظباء حين يبحثنَّ على مأوى لتحتمي من المطر، وحينها تمنى أن يكون مكاناً خَرِباً لتأوي إليه تلك الصبايا، أو أنه خدر بدوي أيضاً يؤدي نفس الغرض السابق في إيواء تلك الصبايا، وإذا لم يتحقق ذلك الإيواء تمنى أن يكون كوزاً بارداً وحَدهنَّ يشربنه حتى يزيل عنهن الظمأ وهنَّ يتناولن خيرات الأرض من الصعيف، ومن ثمَّ نجد أن اللغة هي أداة التفكير ووسيلة التعبير، والحافظة التي تستوعب ـ في مستودعاتها ـ ما ينتجه التَّفكير والتَّعبير من أفكار لتعيد تصريفها وتوظيفها فيما خالج العقل وحملته العواطف 7 ، لذلك كان الإنسان والأرض هما موضع اهتمام الشاعرين الفذين الشرفي وجحاف.


1ـ المجموعة الشعرية الكاملة، علي عبدالرحمن جحاف، وزارة الثقافة والسياحة، 2004م ص26
2ـ موسوعة شعر الغناء اليمني في القرن العشرين، دائرة التوجيه المعنوي، ج2 ط2، 2004م ص173
3ـ موسوعة شعر الغناء اليمني في القرن العشرين، دائرة التوجيه المعنوي ج5 ط2، 2007م ص236
4 ـ نفسه ج2 ص172
5ـ الأعمال الكاملة المجلد 8، ص9 مركز عبادي للدراسات والنشر، ط1، 2008م
6ـ عبدالسلام الوجيه، العمال الكاملة مقدمة ديوان كاذي شباط، ص10 وزارة الثقافة والسياحة، 2004م
7 ـ أنظر: المعجم اليمني في اللغة والتراث ط2 ، مطهر بن علي الارياني، مؤسسة الميثاق، 2012م ص11

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة