الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

الجغرافية من الوطن إلى القصيدة

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

قراءة في ديوان “كتاب صنعاء” للمقالح

كتب المقال / أ.د.سعد التميمي

المقالح: الشاعر والإنسان:
إن الكتابة عن الشاعر عبدالعزيز المقالح تقودنا إلى التوغل في أكثر من نصف قرن من الابداع في الشعر والفكر والنقد والصحافة، دون إغفال البعد الانساني لهذه الشخصية التي انفتحت على الجميع، ودعمت الابداع في جميع اشكاله وكانت قدوة لكثير من المبدعين في اليمن وخارجه، شعر ظل إلى الرمق الاخير يحلم بالقصيدة التي تتغنى بالحرية والسلام الذي ينتظره لبلد عانى ما عاناه من معاناة الحروب والفقر، شاعر طالما كانت اليمن نصب عينه وهمه الذي يشغل جل تفكيره وأحلامه بقراه ومدنه بشكل عام وصنعاء بشكل خاص حتى كانت الحبيبة التي يتغزل بها ويتغنى بمفاتنها وجمالها ،انه شاعر متميز في انتمائه للشعرية العربية بتجلياتها الرائدة، فهو شاعر غني عن التعريف علم من أعلام اليمن له عدد كبير من الدواوین الشعرية والدراسات الأدبية والفكرية؛ ويعدُّ من الأصوات الشعرية المتميزة في ساحة الشعر والنقد والأدب ومن رواد الحداثة الشعرية في اليمن على مستوى الشكل والمضمون، إذ يمتلك المقالح أسلوبا شيقًا ومدهشًا يحقق المتعة والفائدة والتأثير في المتلقي، وله قدرة على توصيل المعنى والهدف وهذه ملكة يتميز بها المقالح في شعره ونقده، وقد تصدى لتجرته الشعرية عدد كبير من النقاد والباحثين، لما له من دور واضح في رسم خارطة الحداثة الشعرية العربية شعرا ونقداً، فله أكثر من خمسة عشر ديوانا وما يقارب خمسة عشر كتابا في النقد والفكر رسخ فيها رؤيته الجمالية والفكرية، ورسم فيها ملامح خاصة لأسلوبه في الشعر والتأليف، مع أنّ الحزن واليأس يأخذان مساحة كبيرة من المعجم الشعري لدى المقالح إلّا أنّ هذا الحجم الكبير لا ينفي وجود أي بصيص للأمل الذي يرنو إليه الشعب اليمني للتخلص من واقعه المثخن بالمآسي والمعاناة وقد عشق المقالح البيئة والانسان في اليمن بشكل كبير فجاءت قصائده لتتغنى بالجغرافية اليمنية وتكشف عن جمالياتها وما تبعثه في النفس من راحة وطمأنينة، ولامست ايضًا أوجاع الناس ومعاناتهم بمشاعر صادقة، فتوزعت صوره الشعرية بين الواقعية التي وقف فيها عند التفاصيل الصغيرة واسقط عليها هموم الانسان، والحلمية التي سبح فيها الشاعر في الخيال ليرسم صورًا لما يحلم به للوطن الشعب، ليتجلى في الاثنين صدق العاطفة وجمال التصوير.

اليمن: الجغرافية والحية:
تحتل اليمن بجغرافيتها حيزا كبيرًا في شعر المقالح لارتباطه الوثيق بهذه الجغرافي التي بقي وفيًا لها وهي لم تبخل عليه إذ مدته بكثير من الموضوعات والمشاهد التي عكست معاناة الناس وأحزانهم، فكانت معادلًا موضوعيًا لكثير من الأفكار والأسئلة الوجودية التي ترجمها إلى قصائد معبرة ،والمتتبع لشعر المقالح يجد أن الحزن كان حاضرا بقوة، وهذا ما يعكسه المعجم الشعري الذي تغلب عليه معاني الحزن والألم والقلق، وذلك لالتصاقه بالوطن بماضيه وحاضره ومستقبله، وتفاعله مع قضيا الشعب وهمومه، لينعكس ذلك في قصائده التي عالج فيها موضوعات عبّر من خلالها عن القضايا الكبيرة كالحروب والفقر والجوع والجهل تلك الأمراض التي عانى منه الشعب لزمن طويل، إلاّ أنّ كل ذلك لم يمنعه من بعث الأمل بالحرية والسلام والجمال بين الحين والأخر لاستنهاض الهمة والمبادرة في تغير الواقع، فالشعر عند المقالح رؤية للعالم تمر عبر الحلم لاستشراف ما ينبغي أن يكون في عالم الواقع وعالم الحلم، ففي عالم الشعر تكون اللغة جديدة غير مسكونة، أما الحزن فان الشعر صوته النابع من ضلوع البشر، وفي شعر المقالح تكشف الرؤيا جماليات جوهر الذي يستتر خلف الواقع، وتقف خلف هذه الرؤيا قدرة تعبيرية كبيرة تجلت في توظيفه اللغة لاختراق الواقع والكشف عن جوهره، ففي القصيدة يتحقق ذلك بالانتقال من اللغة المباشرة إلى الايحائية بتفعيل نظامها الاشاري، ولما كان الواقع بصوره المختلفة(مدينة، امرأة، طبيعة) يتمظهر في القصيدة على انه في مجمله صور لليمن، فإن الجغرافية اليمنية تعد من أهم العناصر الفاعلة في شعر المقالح، وهو لا يستعملها كديكور يجمل به القصيدة بل رمزا للوطن وما يحلم به من سلام ومحبة، فهو لا يطيق مغادرة المكان وكانت صنعاء تمثل له اشبه بامرأة حنون ويرى في فضائها ما يبعث الراحة والسلام من خضرة وأشجار وماضٍ عريق يحمل كثيرًا من الذكريات، لكن المآسي والحروب جعلته يتطلع إلى أن يغادر بروحه الوطن تاركًا الجسد المتهلك في اشارة إلى أنه لا يستطيع مفارقة الوطن وهذا ما عبر عنه في قصيدة “يوتوبيا” بقوله:
سأترك في وطن الحرب
ما أبقت السنوات العجاف
من الجسد المتهالك
أتركه،
وأطير بروحي إلى عالمٍ
ليس فيه بكاءٌ
على طللِ الوقت،
أو تتغشّاه حربٌ ضروسٌ
تسوق القرابين
نحو مذابح لا شيء فيها
يباركه الله
لا شيء فيها لخير البشرْ
فهو يطير بروحه إلى عالم الحلم واليوتوبيا الذي يخلو من البكاء تاركا الجسد (على طلل الوقت) في صورة شعرية معبرة تصور حجم الألم والمعاناة فإضافة المكان(الطلل) إلى الزمان(الوقت) اشارة إلى أن زمن السلام والحرية قد انتهى في صورة تحذيرية من نتائج الحرب، وهذا ما يؤكده في الصور التالية: (تتغشاه حرب ضروس، تسوق القرابين نحو المذابح، لا شيء فيها لخير أو شر) فالصور السوداوية تقابل عنوان القصيدة(يوتوبيا) في اشارة إلى اننا يجب ان نحلم بالسلام والخير.

صنعاء: المدينة والحبيبة
في ديوان (كتاب صنعاء) تتجسد علاقة الشاعر عبد العزيز المقالح بصنعاء، ففي هذا الديوان تتجلى العلاقة بين عاشق ومعشوقة ويبدع المقالح في التعبير عن هذه العلاقة بصور شعرية تعكس قدرته الكبيرة في استثمار شبكة العلاقات اللغوية التي تشكل بدورها صورة جديدة تعكس رؤية الشاعر للواقع، موزعة بين “واقعية انطباعية”، و”يوتوبيا حلمية”، وهاتان الصورتان تتجسدان في هذا الدیوان الذي ضم ستا وخمسين قصيدة مرقمة من دون عنوانات ليكون أشبه بقصيدة طويلة بمقاطع متعددة، تصف جمال صنعاء الحسي والروحي بلغة شعرية معبرة، إذ يشكل مبدأ الانعكاس الموضوعي مرآة لآلية اشتغال اللغة بكونها الحامل للعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون، فالمضمون يجب أن يتحول إلى شكل، والشكل يجب أن يتحول إلى مضمون على حد قول هيغل، ولما كانت اللغة نظاما إشاریا سيميولوجيا، فإن فعلها يتشكل من خلال العلاقة الجدلية بين اللغة كنظام قائم والواقع الموضوعي، ولا بد لهذه العلاقة من قوة دافعة تنقل الخطاب الشعري إلى دائرة الجمال المؤثرة المتمثلة بالخيال، وفي «كتاب صنعاء» تتجلى قدرة المقالح في اكتشاف عناصر الجمال والتعبير عنه بقوالب تركيبية وصور شعرية مؤثرة، وتوزعت صنعاء في هذا الديوان بين واقع يحاصر الشاعر وخيال تتحول فيه صنعاء إلى يوتوبيا، يحلق في فضائها الشاعر ليصور مفاتنها المدينة، بوصفها شكلا فنيا يبحث عن الكمال، تمثِّل أساسا جوهريا تَستمدُّ منه التَّجربة الإنسانية فعاليتها وترسم مسارها على نطاق واسع. والواقع أنه ظل يُنظر إلى عواصم الثقافة منذ فترة طويلة كرموزٍ يَستوحي منها الكُتَّابُ شرعيَّةَ نِضَالهم من أجل السُّلطة الثقافية فيقول في القصيدة الخامسة:
ترجل
وضع شفتيك على باب مسجدها
ويديك على خصر مئذنة
وتلفت حواليك. ماذا تری
عالما من شموس ومن شرفات
وأسماء منقوشة
وزخارف لا تنتهي
وعوالم من كتب
ومحاريب
لا يدرك النوم أجفانها
ومساكين أضنى الفراغ مفاصلهم
جلسوا القرفصاء
وألقوا براحاتهم في فضاء المكان
وأصواتهم تشبه الصمت
أو أنه الصمت يشبه أصواتهم
أين تأوي. إذا أقبل الليل اعضاؤهم

فبلغة ذات طاقة شعرية عالية يصف الشاعر وبلغة ساردة المكان والناس الذين يملؤون فضاء المدينة، يسرد حال شريحة من الناس تصادفك إذا ما تجولت في صنعاء، عند مسجدها وما يمثله للناس وما يفرضه جماله من هيبة على من يراه، وهنا يأتي استعمال الأمر (ترجل) ليجسد صورة الهيبة التي تفرضها المدينة، ويعزز ذلك بتعبيره عن انبهاره بما يحويه المسجد من تشكيلات جمالية تبعث روح البهجة من خلال مفردات «شموس، شرفات، نقوش، زخارف» ويعكس الانزياح في اسناد الأجفان للمحاريب اندماج الشاعر بتفاصيل المدينة، ثم ينتقل لتصوير حال المساكين الذين يجوبون شوارع المدينة وترتسم ملامح الحزن والمعاناة على وجوههم ليصور حالهم في النهار والليل، وليمزج بين الزمان والمكان في صور مؤثرة من خلال شحنها بطاقات دلالية عالية ينتجها الانزياح التركيبي، ويتضح ذلك في اسناد الفعل (أضنى) للفراغ والفعل (تأوي) لأعضائهم واضافة (عيون) للظلام، ويأتي تشبيه أصوات المساكين بالصمت وعکس هذه الصورة من خلال توظيف التضاد ليرسم مشهدا مؤثرا للمدينة وهذا التصوير لصنعاء يتكرر في العديد من القصائد التي ينقل فيها الشاعر المتلقي في جولة يقف فيها عند معالم صنعاء التي جمعت بين القدم والحداثة فهي تارة واضحة مثل كف طفل صغير وتارة اخرى غامضة كالأسطورة وهي سيدة لا تعرف الليل وتنام مبكر كما في قوله:
هي صنعاء
لا تعرف الليل
كانت تنام مبكرة
والسماء تنادي
وتجلو مفاتنها فوق صنعاء
تومض مختالة
مثل ماء البحار البعيدة
زرقاء صافية

فصنعاء امرأة جميلة تجلو مفاتنها السماء، وهي حلم رافق الشاعر في مراحل عمره (إليها كما رسمتها مخيلة الطفولة والكهولة) فالمخيلة جعلت صنعاء مدينة حلمية يتطلع إليها محبو الجمال أو امرأة جميلة ومدللة، فيقول في استهلال الديوان:
كانت امرأة
هبطت في ثياب
الندى
ثم صارت
مدينة

فالشاعر يربط جمال صنعاء بجمال المرأة الذي يخلب العقول ولما كانت رؤيته حداثية فإنه يعمد التي توظيف جماليات البيئة لمدينة صنعاء للتعبير عن تجلياتها في ذاكرته من خلال صور شعرية فاعلة يتضافر فيها الواقع بمشاهده المختلفة والخيال الذي يتحقق بفعل الانزياحات التي تتوإلى في القصيدة التي تأخذ أحينا طابعا صوفيا يتماهى فيها الشاعر مع المدينة لتغدو معشوقة يهيم بحبها يصبح فيها الزمن مطلقا يتنقل فيه الشاعر من الحاضر إلى الماضي من خلال استدعاء الاحداث والمشاهد من ذاكرته الحية لتحضر تقنية الفلاش باك السينمائية في عملية سرد الاحداث ورسم المشاهد ويشكل هذا الاستهلال عتبة تقود المتلقي إلى أسرار جمال المدينة، فيقول:
المدن الجميلة كالنساء الجميلات
لا يخضعن لحساب الزمن
ويفصحن عن أعمارهن
الأثاريون وحدهم يقرؤون أعمار المدن باللمس
والأطباء وحدهم
يعرفون من ظلال التجاعيد
ثمرة الزمن على الوجوه

فصنعاء امرأة جميلة تسكن القلب وتبعث البهجة لذلك لا تفصح عن عمرها، فجمالها الخالد لم تنقصه السنون، ثم انتقل المقالح من الجمال الحسي إلى حيوية الروح لصنعاء في صور شعرية تتحول فيها إلى مدينة حلمية يسبح في فضائها ويعيش أجواءها، إذ يقول عنها:
هي عاصمة الروح
مغمورة بالضحى والتعاويذ
تومض أشجار ذاكرتي حين أدخلها
وأراها بأطمارها تتوهج عارية
تحت جمرة الظهيرة
أذكرها
كنت طفلا بعينين ذاهلتين
رأيت مفاتنها

………..

وشاهد قلبي ملائكة يرسمون على الألق
أودية وقصورا
وأروقة

فصنعاء تختلف عن العواصم الأخرى فهي عاصمة الروح، اذ رسمت الملائكة ملامحها (مساجد وأودية وقصور)، اذ تعكس الصورة الشعرية هنا الانبهار والدهشة بهذه المدينة (مغمورة بالضحى والتعاويذ) وتتحول ذاكرة الشاعر إلى أشجار تومض وهو يتحسس عريها وقت الظهيرة، ويتجسد جمال صنعاء في ذهول العينين في الذاكرة، والمقالح في هذا الديوان الذي يعد سيرة وصفية لصنعاء يحاول ان يلبسها حلة يبتدعها من خياله لأنه يعشقها.

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة