
المهاجل اليمنية إرث، وتراث متوارث أباً عن جد..
كتاب فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف أنموذجاً
نوال القليسي
تعد الثقافة الشعبية جزءً لا يتجزأ من هوية وتراث أي بلد يحمل طابع ثقافي وحضاري عريق، واليمن واحد من أهم البلدان تجذرا في التاريخ وتعمقا في الحضارات منذ ما يقارب سبعة ألف سنة قبل الميلاد، ومن عمق هذا التاريخ والتراث، توالت بواكير الأدب الشفهي، وهو نوع من الأدب الشفهي يعتمد على النطق والمشافهة كوسيلة أساسية لنقله، حيث ينتقل من جيل إلى جيل، عن طريق الكلام وليس عن طريق الكتابة، وله أشكال متنوعة، تشمل القصص والأغاني الشعبية والمهاجل والحكم والأمثال الشعبية، ويعد وسيلة هامة لنقل التراث والموروث الثقافي من جيل إلى جيل، وتعد الشفهية نوع من أنواع الفكر والتعبيرات اللغوية في المجتمعات التي لم تألف جماهيرها تقنيات القراءة والكتابة، بل يتناقلها الأبناء عن الآباء، وكطقس يمارس عبر الأزمان، يولد شعور نابض بالحقيقة والمصداقية بالانتماء للأرض والإنسان والتاريخ، ويعد حلقة وصل روحية وثقافية بين الماضي والحاضر واليوم والأمس، ويعتبر فن المهاجل جزءاً من التراث الشفهي، ومفرد مهاجل “مهجل” ويعرف بأنه لون غنائي من التراث اليمني الأصيل والقديم، وتعد ترنيمة الفلاح اليمني، تتمثل في أغاني الحصاد، و أنشودة الصباح والمساء، ووسيلة تقليدية لتنفيس عن النفس، والتعبير عن تأثير الحنين والحب والعتاب والشوق، ولها عدة أغراض منها تحفيز المزارع في مواسم الزراعة، وحثه على بذل المزيد من الجهد، وتعتبر المهاجل واحدة من أهم اللاماديات التراثية الثقافية الشعبية في اليمن، والتي بدأت في الاندثار والنسيان، ونحن هنا نقف على العتبة الأولى لكتاب فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف للكاتب والأديب زيد الفقيه، حيث ونقدم الشكر للجهد القيم الذي سار عليه الكاتب في هذا الكتاب من أجل المحافظة على ثقافتنا التراثية الشعبية في فن المهاجل للحفاظ على ديمومتها خوفا من اندثارها أو نسيانها في ظل تراجع حضورها مؤخراً في أماكن كثيرة، لأسباب ترتبط بتغيير أسلوب الحياة وغزو العولمة والماديات على الفكر التراثي الشفهي، ومنها فن المهاجل بأنواعها والتي تناقلت بين الأجيال عبر التواتر الشفهي، ولما تساهم فيه المهاجل الشعبية في شحذ الهمم وبذل الجهد المضاعف لدى من يقومون بالأعمال الحرثية في نطاق القرى والأودية، ولا سيما المناطق الزراعية، حيث روح النشاط و الأمل فيهم، وقد أورد شاعر اليمن الكبير الأستاذ عبدالله البردوني في كتابه “فنون الأدب الشعبي في اليمن” أن فن المهاجل هو أساس شعر العامية من حيث اللغة والنكهة وكذلك التفاعل، كما أشار الدكتور عبدالعزيز المقالح في كتابه
“شعر العامية في اليمن” أن المهاجل تدخل تحت التصنيف اللغوي الثالث للعامية المعاصرة، وهي عامية القرية وتحصر المهاجل بزمن معين هو زمن “العلان” الذي لا تتجاوز مدته شهرين من بداية موسمه حتى نهايته، ثم يطويها النسيان وتنعاد في العام الذي يليه، وتعد المهاجل الشعبية واحدة من وسائل المرأة اليمنية في الريف، لإيصال رسائلها التي لاتستطيع البوح بها مباشرتا كالعتاب والفقد والألم، وهذا ما تطرق اليه كتاب فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف للأديب والكاتب زيد الفقيه ، حيث سرد في هذا الكتاب عدد من المهاجل الشعبية المتمثلة في أهازيج اليمنيين، والتي تعاني ضعف التوثيق وغياب التدوين، وقد تناولت مهاجل هذا الكتاب العديد من الفصول منها على سبيل المثال، الاستهلال وبواكر الصباح، العتاب والشوق للأحبة، الهجرة وتأثيرها الاجتماعي، انعكاسات موسم العلان على نفس الإنسان، وهي بذلك تعكس نمط تراثي خاص بالمهاجل عند اليمنيين وتعبر عن تراث أدبي شفهي يتلازم ويتمازج بالحالة الثقافية للمجتمع اليمني عبر التاريخ، إذ مثلت لسان حال الإنسان وسلوكه وصوته الذي يستطيع من خلاله أن يعبر عن ما يجول بخاطره بأسلوب بليغ وفطن يوصل المعنى في سياق تراثي شعبي يمتزج بالعادات والمعتقدات وفنون الأداء الشعبي، والتي تعد المهاجل أحد فنونه الشعبية، حيث مثل فن المهاجل المدونة في هذا الكتاب تجسيدا حيا للتراث الشعبي، الذي يعتمد على استلهام العناصر التراثية، و إعادة صياغتها بطرق فنية تسهم في الحفاظ عليها، ونقلها من جيل إلى جيل بطابع فلكلوري تراثي وهوية ثقافية تعزز قيمة المجتمع وارتباطه وتأصله مع كل ما هو ماضي وجميل، كما أن المهاجل في هذا الكتاب، تضمنت توثيق التراث الثقافي الشفهي لكل منطقه على حده من مناطق اليمن قاطبة، وهذا بدوره يسهم في الحفاظ على العناصر التراثية ضمن اللهجات اليمنية المتعددة، وهو أحد مكونات الثقافة الشعبية المرتبطة بالإنسان اليمني في مراحل حياته المختلفة، وكذلك ارتباطه الوثيق بالأرض والزراعة ومواسمها وطبيعة طقوسها، كما وضح الكتاب أن فنون المهاجل الشعبية هي أحد وسائل الإنسان اليمني الترفيهية في حله وترحاله للزراعة في الجبال والسهول والوديان ، وفي مختلف أنماط حياته ومنها الهجرة والاغتراب، كما تبنى الكتاب فن مفهوم التراث ومكانته المميزة في نسق المفاهيم التي ترتبط بحياة الناس وتاريخهم ومؤثرات وجودهم والتي تلخصت في المهاجل الزراعية وهو ما يعكس العلاقة بين التراث والثقافة الشعبية، كما يبين التراث بهويته الأصيلة، كما وظف الكتاب من خلال أسلوبه في السرد والشرح دلالته العميقة ومفرداته الجزلة واللغة الحية في شرح أبيات المهاجل وتمثل هذا التوظيف بين جزالة اللغة وعمق المعنى و جوهر التراث، الذي ينتمي إلى زمن الماضي لنخرج بمفهوم من التراث الشفهي بمختلف فنونه و أشكاله انه يعيش فينا ونعيش فيه، في كل لحظة ليمثل البوتقة التي تتشكل فيها أفكار المجتمع وتصوراته، كما أن الكتاب يراعي الشمولية في تجديد التراث ومقومات التراث جميعها الثقافية مثل: علم الأدب، والتاريخ، واللغة، والجغرافية، والعوامل الاجتماعية مثل الأخلاق والعادات والتقاليد وهذا ما صورته مجمل المهاجل الشعبية اليمنية في هذا الكتاب، كما مثلت مهاجل هذا الكتاب وصلة وسيط بين التراث والثقافة وهو كل ما وصل إلى الحياة المعاصرة من الماضي البعيد أو القريب، أن إسهام كتاب فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف في الحفاظ على تراثنا اللامادي المتمثل في المهاجل يمثل عاملا مهما من عوامل وجودنا لأنه يشكل نواة وعي تمنع أي حملات تشويهية تسعى لتدمير تاريخنا وتراثنا الشعبي في محاولة لطمس وسلب قيمنا التاريخية والحضارية والفلكلورية، فقد سعى الكتاب من خلال تدوين وحفظ المهاجل الشعبية إلى المحافظة على هويتنا الثقافية الأصيلة، كما جسد الكتاب علاقة ترسيخ بين التراث الثقافي والموروث الشعبي، وترمز إلى علاقة حميمية جوهرية وكلاهما يجسد روح اليمن وهويتها، فالموروث الشعبي جزء من التراث الثقافي، كما حافظ الكتاب من خلال جمعه وتدوينه عن شفاه الجدات والعامة ومختلف فصائل المجتمع صنوف من الموروث، وفنون الثقافة الشعبية والمتمثله في فن مهاجل المرأة اليمنية في الريف على وجه الخصوص نظرا للارتباط الوثيق بين المهاجل والأرض والزراعة ، فالكتاب يجمع مجموعة نفيسة من تراث المهاجل اليمنية والتي تلامس شغاف القلوب الإنسانية وهو ما يعكس تجانس فني كبير بين التراث الشعبي والفكر الإنساني ، وقد عكس الكتاب من خلال هذه المهاجل دلالات ومؤشرات محسوسة تدل على حضارة الشعب اليمني، الذي أبدع في تقديم أدب شفهي غاية في الروعة والتناغم والإيقاع، كما مثل كتاب فن مخزون ثقافي يتميز بالثراء والعمق حيث ينطوي على الخبرة الإنسانية للمجتمع، حيث ينطوي على الخبرة الإنسانية للمجتمع نتيجة تراكم تاريخي وتراث شفهي يشمل فن المهاجل بمختلف أنواعها و مغاردها من مهاجل الزراعة والهجرة والاغتراب والحنين وبواكر الصباح، حيث مثل مخزون هائل من الخبرات والتصورات الإنسانية التي تجسدت في مهاجل الريف الموروثة والمستنبطة في كل فرد يعي عناق الإرض ويتغنى بها ويشدو مع عصافيرها وينسجم مع قيمها ومعتقداتها وظروفها البيئة والمجتمعة، كما أن الجهد الحثيث في الجمع والتدوين والترقب والتمحص لجمع مهاجل هذا الكتاب هي انعكاس لمفهوم التراث الشعبي السائد الشائع في أوساط المجتمع من الفنون القولية المختلفة كالزوامل والأغاني الشعبية والمهاجل والحكم والأمثال، وقد جسد الكتاب طاقة حيوية تتسم بمؤاشرات السرد والشرح بجمال وحرفية لغوية عالية في فن مهاجل الريف، كما صور الكتاب التراث الشعبي ببصمته العفوية ووشم الانتماء ليخرج بخلاصة مفادها أن هذه المهاجل هي مايميز الإنسان اليمني حيث تعد تجذر أعمق لمشاعره واحاسيسه ومعتقداته الإنسانية، جسد الكتاب التراث الشفهي الشعبي بغية الحفاظ على كينونة فنون التراث الشفهي المتمثلة في فن المهاجل وهو المحور الرئيسي في هذا الكتاب بمكنونة الشعبي من فن المهاجل والتي لايعرف لها مؤلف ولايكاد يعرف لها توثيق تاريخي بل تم تنقلها من جيل إلى جيل شفهيا وليس كتابيا ،وفي وطأت العمولة صدَر كتاب فن المهاجل اليمنية للمرأة في الريف ملحمة فكرية تراثية تمثلت في جمع وتدوين وشرح المهاجل اليمنية حرصا من الكاتب على الحذر من النجرار وراء حملات التسويف والتقليل من أهمية وقيمة التراث الشعبي وربطه بمفاهيم خاطئة، ليمثل انتصارا على العولمة وطرق تهميش التراث والفلكلور الشعبي، وهي واحدة من اخطر مفاهيم الغزو الفكري على تراثنا وموروثنا الشعبي من خلال الحفظ والتدوين لما تبقى من تراثنا الشعبي وارثنا التاريخي الإنساني و الفكري والمتمثل في واحدة من أهم الفنون الشعبية وهي فن المهاجل، وفي خاتمة هذه الدراسة الانطباعية عن مجمل ما احتوى عليه الكتاب نستخلص من خلال هذا الكتاب أن تراث المهاجل الشعبية اليمنية يمثل تراث شعبي وهوية ثقافية جامعة لتاريخنا اليمني الذي يحيا بين جوانحنا ويتأصل في وجداننا نبضا بالحياة والحب والعمل والحكمة والعطاء الإنساني الذي هو نواة الهوية الوطنية ونسغ وجودها، نستجوب منه أفاقنا الإنسانية عبر اثر غني بالتراث والفنون الشعبية والتي تعد المهاجل أحد فنون التراث الشعبي الذي نورثه للأجيال القادمة ونكون مؤتمنين عليه ووديعة ثقافية لجيل بعد جيل، كونه دفئا ورافدا ثقافيا وتراثا فكريا يجب تدوينه والحفاظ عليه .








