الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

معركة التوثيق حول شعر البردوني…عبدالرحمن مراد

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

معركة التوثيق حول شعر البردوني  بين دفاع هيئة الكتاب وأسئلة النقد العلمي  من الديوانين المختلف عليهما إلى الأعمال الكاملة / عبدالرحمن مراد

 

لم يكن ظهور ديواني عبدالله البردوني «رحلة ابن شاب قرناها» و«العشق على مرافئ القمر» عام 2022 حدثًا نشرِيًا عابرًا. فقد أعاد الإصدار إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا منذ رحيل الشاعر عام 1999: ماذا بقي من شعره خارج دواوينه المنشورة؟ وأين مخطوطاته؟ وكيف يمكن التحقق من النصوص التي تنسب إليه بعد أكثر من عقدين على وفاته؟

وبمجرد صدور الديوانين، انتقل النقاش من الاحتفاء باكتشاف نصوص جديدة للبردوني إلى نقاش أكثر حساسية يتعلق بمصدر النصوص، وعدد القصائد، وعناوينها، وبعض خصائصها الأسلوبية واللغوية، فضلًا عن مضامين سياسية وتاريخية رأى بعض النقاد أنها تستدعي مزيدًا من التحقق.

وفي الجهة الأخرى، وجد رئيس الهيئة العامة للكتاب عبدالرحمن مراد نفسه أمام مهمة الدفاع عن قرار مؤسسته بنشر الديوانين. وقد اعتمد دفاعه بصورة أساسية على وجود مخطوطات تسلمتها الهيئة بمحضر، وعلى إجراءات المراجعة والمطابقة، وعلى شهادات أشخاص كانوا قريبين من البردوني، وعلى وجود نسخ أخرى من بعض النصوص.

لكن أهمية القضية تقتضي عدم تحويلها إلى مباراة بين «مدافعين» و«مشَكِّكين». فوجود مخطوط يمثل عنصرًا أساسيًا في إثبات المصدر، لكنه لا يلغي وحده الحاجة إلى التحقيق النصي؛ كما أن غرابة نص أو اختلافه أسلوبيًا عن الصورة المألوفة للشاعر لا تكفي وحدها لنفي نسبته إليه.

ومن هنا تكتسب القضية قيمتها الحقيقية: إنها اختبار للطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها مع التراث الأدبي غير المنشور.

أولًا: مخطوطات ظلت خارج التداول

ظل الحديث عن أعمال شعرية غير منشورة للبردوني حاضرًا بعد وفاته، وتكررت الإشارة خصوصًا إلى ديواني «رحلة ابن شاب قرناها» و«العشق في مرافئ القمر».

وبحسب الرواية التي قدمتها الهيئة، وصلت المخطوطات إلى محمد الشاطبي، أحد كتبة البردوني، ثم بقيت لدى أسرته، قبل أن تصل إلى الهيئة في عام 2022.

وأعلنت الهيئة أن عملية التسليم تمت بمحضر رسمي، وأن المادة خضعت للمراجعة قبل الطباعة.

هذه الواقعة مهمة من الناحية التوثيقية؛ لأن السؤال الأول في أي نص أدبي غير منشور هو سؤال المصدر: من أين جاءت المادة؟ ومن الذي حفظها؟ وما سلسلة انتقالها حتى وصلت إلى الناشر؟

وقد قدمت الهيئة إجابات محددة عن هذه الأسئلة.

لكن ذلك يمثل بداية التحقيق وليس نهايته.

ثانيًا: حين خرج المخطوط إلى القارئ

صدر الديوانان في كتاب واحد عام 2022، وضم «رحلة ابن شاب قرناها» 12 قصيدة، فيما ضم «العشق في مرافئ القمر» 7 قصائد.

وكان المتوقع أن يضع الإصدار حدًا لسنوات من الغياب.

لكن قلة عدد القصائد أثارت أسئلة لدى بعض القراء والنقاد، خصوصًا بالنظر إلى غزارة تجربة البردوني الشعرية.

وهنا ظهر موقفان متوازيان:

موقف الهيئة: أنها نشرت المادة التي تسلمتها، وأن عدد القصائد مثبت في محضر الاستلام.

وموقف نقدي: يرى أن قلة المادة المنشورة تستدعي البحث في تاريخ الديوانين، وما إذا كانت هناك نصوص أخرى أو نسخ مختلفة منهما.

ولا يوجد تناقض ضروري بين الموقفين؛ إذ يمكن للمؤسسة أن تكون قد طبعت جميع ما وصل إليها، وفي الوقت نفسه يبقى من حق الباحث أن يسأل عما إذا كانت المادة التي وصلت إليها تمثل بالفعل كامل الديوانين.

ثالثًا: رئيس الهيئة يدخل ساحة الدفاع

أدرك رئيس الهيئة أن القضية لم تعد مجرد إصدار كتابين، ولذلك انتقل إلى الدفاع العلني عن عملية النشر.

وفي تصريحات وحوارات صحفية، شرح الإجراءات التي قال إن الهيئة اتخذتها للتأكد من المادة، ومنها:

• استلام المخطوط بمحضر.

• تحديد عدد القصائد والأوراق.

• مراجعة النصوص.

• مطابقة النص بعد الصف بالمخطوط.

• إشراك أشخاص عرفوا البردوني أو عملوا معه.

• مقارنة بعض المواد بنسخ أخرى.

وأكد مراد أن الهيئة «وثقت كل شاردة وواردة»، وأن النص لم يطبع اعتمادًا على رواية شفوية أو مادة مجهولة المصدر.

ومن منظور إعلامي، كان هذا الدفاع ضروريًا؛ لأن مؤسسة النشر مطالبة بتفسير الأساس الذي بنت عليه قرارها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتراث شاعر راحل.

ومن منظور علمي، فإن ما قدمته الهيئة يمثل قرائن توثيقية مهمة، لكنه يظل قابلًا للمناقشة والفحص.

رابعًا: من حق المؤسسة أن تدافع، ومن حق الباحث أن يسأل

ربما كان أهم ما أظهرته القضية هو ضرورة التمييز بين مستويين من النقاش.

الأول هو مسؤولية المؤسسة الناشرة.

والثاني هو مسؤولية المحقق والناقد.

فالهيئة تستطيع أن تقول:

تسلمنا مخطوطًا محدد المصدر، ووثقنا عملية استلامه، وراجعناه، وطابقناه.

وهذا دفاع مؤسسي مشروع.

لكن الباحث يستطيع في المقابل أن يسأل:

هل المخطوط بخط الشاعر؟

أم بخط كاتب عنه؟

وهل توجد نسخ أخرى؟

وهل تتطابق النسخ؟

وما تاريخ كتابة كل قصيدة؟

وهل توجد قرائن خارجية تؤيد نسبتها؟

وهل تتفق النسخة المطبوعة مع المخطوط حرفيًا؟

وهذا أيضًا مشروع علمي.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: من انتصر؟

بل: ما مقدار الأدلة التي يمكن فحصها بصورة مستقلة؟

خامسًا: الأسلوب الشعري… قرينة لا حكم نهائي

كان من أبرز الاعتراضات التي ظهرت بعد صدور الديوانين أن بعض القصائد لا تشبه، في نظر منتقدين، الأسلوب المعروف للبردوني.

وتناول بعض النقاد اللغة والصورة الشعرية والإيقاع والمفردات وطبيعة الخطاب السياسي والتاريخي في النصوص.

وهذا النوع من النقد مهم؛ لأن النقد الأسلوبي يمكن أن يقدم قرائن على نسبة النص إلى صاحبه.

لكن القرينة الأسلوبية لا ينبغي أن تتحول وحدها إلى حكم نهائي.

فالشاعر قد يغير أسلوبه مع الزمن، وقد تختلف لغته باختلاف الموضوع والمرحلة النفسية والتاريخية، كما أن الشاعر الكبير لا ينتج بالضرورة نصوصًا متساوية في مستواها الفني.

ولهذا فإن وجود نص ضعيف أو مختلف عن المألوف لا يثبت تلقائيًا أنه ليس للشاعر.

وبالمقابل، فإن وجود اسم الشاعر على المخطوط لا يمنع الباحث من فحص النص نفسه.

والمنهج الأقوى هو الجمع بين القرينة المادية والقرينة النصية والقرينة التاريخية.

سادسًا: السياسة لا تكفي لإثبات النسبة أو نفيها

أخذ الجدل بعدًا أكثر حساسية عندما ركز بعض المنتقدين على مضامين سياسية ومذهبية وتاريخية في بعض النصوص، ورأوا أنها لا تنسجم مع الصورة التي تكونت لديهم عن البردوني.

وقد ربطت بعض التغطيات الصحفية هذه المضامين بالسياق السياسي اليمني الراهن.

في المقابل، اعتبر رئيس الهيئة أن جانبًا من التشكيك أخذ منحى سياسيًا، ووصفه في تصريحات له بأنه «مكايدة سياسية».

وهنا يحتاج التقرير إلى قدر كبير من الحذر.

فلا يمكن إثبات صحة نص شعري أو تزويره من خلال مضمونه السياسي وحده.

كما أن اتهام المنتقدين بأن دوافعهم سياسية يحتاج بدوره إلى دليل مستقل.

والأفضل علميًا هو العودة إلى النص والمخطوط وتاريخ القصيدة، بدل تحويل اختلاف المواقف السياسية إلى معيار لإثبات النسبة.

سابعًا: الأخطاء الطباعية ومسألة صحة المخطوط

ظهرت كذلك ملاحظات على بعض الأخطاء في الطبعة الأولى.

وقد تحدث أعضاء في فريق المراجعة عن أخطاء طباعية وفنية، مع الإشارة إلى إمكانية تداركها في الطبعات اللاحقة.

وهنا يجب الفصل بوضوح بين ثلاثة أمور:

خطأ في المخطوط نفسه.

وخطأ في نقل النص من المخطوط.

وخطأ طباعي وقع أثناء الصف والإخراج.

فالخطأ الطباعي لا يثبت تزوير النص، كما أن تصحيح الأخطاء الطباعية لا يحسم مسألة النسبة.

وهذا التفريق مهم لأن الجدل الإعلامي يميل أحيانًا إلى جمع مستويات مختلفة من المشكلة في قضية واحدة.

ثامنًا: النسخ الأخرى… أهم من السجال

أشار رئيس الهيئة إلى وجود نسخ أخرى من بعض المواد، وإلى مقارنتها بالنسخة التي وصلت إلى الهيئة.

وهذه النقطة من أكثر النقاط أهمية في أي تحقيق علمي.

فإذا كانت هناك نسخ متعددة للنص نفسه، فإن المقارنة بينها يمكن أن تكشف:

• الإضافات والحذوف.

• اختلاف ترتيب القصائد.

• اختلاف العناوين.

• التصحيحات.

• التعديلات اللغوية.

• الفروق في الأبيات.

• مراحل كتابة النص.

ولهذا فإن أفضل خدمة يقدمها أي طرف للقضية ليست زيادة الاتهامات، وإنما إتاحة النسخ للمقارنة.

تاسعًا: المعركة الإعلامية تكشف مشكلة أكبر

يمكن فهم الحدة التي اتسم بها دفاع رئيس الهيئة في ضوء طبيعة القضية.

فهو لم يكن يدافع عن كتاب عادي، وإنما عن قرار نشر نصوص تنسب إلى أحد أبرز شعراء اليمن.

وأي شك في هذه النصوص ينعكس بصورة مباشرة على المؤسسة التي نشرتها.

ولهذا اتجه مراد إلى التأكيد المستمر على محضر الاستلام، ولجان المراجعة، والنسخ الأخرى، وشهادات المقربين من البردوني.

وفي المقابل، فإن النقاد الذين أثاروا الأسئلة كانوا يطالبون، في جوهر الأمر، بأدوات تحقق مستقلة.

وبهذا يمكن وصف الطرفين بأنهما يتحركان من احتياجين مختلفين:

المؤسسة تحتاج إلى إثبات سلامة إجراءاتها.

والباحث يحتاج إلى الوصول إلى المادة التي تمكنه من اختبار النتيجة.

وهذان الاحتياجان لا يتعارضان بالضرورة.

عاشرًا: النقطة الفاصلة — نشر صورة المخطوط

جاء التطور الأكثر أهمية في 2026، عندما صدرت الأعمال الشعرية الكاملة للبردوني في أربعة أجزاء، وأدرج ضمنها الديوانان محل الجدل، مع إرفاق صورة المخطوط الذي تسلمته الهيئة، وفق ما نشرته صحيفة «26 سبتمبر».

هذه الخطوة لها أهمية تتجاوز الجانب الإعلامي.

فالمخطوط عندما يبقى خلف المؤسسة يكون جزء من حجتها الداخلية.

أما عندما يصبح متاحًا للباحثين، فإنه يتحول إلى وثيقة قابلة للفحص الخارجي.

وهنا تتغير طبيعة القضية.

فبدل أن يكون النقاش:

الهيئة تقول إن المخطوط صحيح.

يصبح:

هذا هو المخطوط؛ فما الذي تكشفه المقارنة؟

وهذه نقلة نوعية في أي قضية تتعلق بنسبة نص تراثي.

الحادي عشر: الأعمال الكاملة تفتح مرحلة جديدة

إدراج الديوانين ضمن الأعمال الشعرية الكاملة يتيح كذلك فرصة أخرى للتحقيق.

فالنصوص الجديدة لم تعد معزولة عن بقية شعر البردوني، وإنما أصبحت قابلة للمقارنة مع عشرات السنين من إنتاجه.

وهنا يستطيع الباحث أن يدرس تطور:

• المعجم الشعري.

• الأوزان والقوافي.

• بناء الصورة.

• التراكيب.

• الإحالات التاريخية.

• طريقة توظيف الأمثال والحكايات.

• البناء الدرامي للقصيدة.

• مستويات السخرية والمفارقة.

• العلاقة بين العامية والفصحى.

• تطور خطاب البردوني في سنواته الأخيرة.

وهذه المقارنة أعمق بكثير من الحكم الانطباعي بأن «هذا يشبه البردوني» أو «هذا لا يشبهه».

ثاني عشر: من الدفاع الإعلامي إلى التحقيق العلمي

يمكن القول إن رئيس الهيئة خاض بالفعل مواجهة إعلامية واسعة دفاعًا عن مشروع نشر الديوانين.

وقد كانت أبرز عناصر دفاعه هي:

المخطوط.

محضر الاستلام.

لجان المراجعة.

المطابقة.

النسخ الأخرى.

شهادات المقربين من الشاعر.

لكن القيمة الحقيقية لهذا الدفاع لا تقاس بعدد التصريحات الصحفية، وإنما بمدى قدرة الوثائق التي استند إليها على الصمود أمام الفحص المستقل.

وهنا تبرز أهمية نشر صورة المخطوط.

فهي تنقل القضية من الدفاع بالكلام إلى الدفاع بالمادة.

وفي الوقت نفسه، تمنح المنتقدين فرصة لتقديم نقد أكثر دقة وأقل اعتمادًا على الانطباع.

الخلاصة: لا محاكمة للبردوني… بل تحقيق في نصوصه

بعد سنوات من الجدل، يبدو أن قضية الديوانين وصلت إلى مرحلة أكثر نضجًا.

فالدفاع عن قرار الهيئة له ما يسنده من حيث وجود مخطوط وإجراءات معلنة للاستلام والمراجعة.

والنقد العلمي له ما يبرره من حيث ضرورة فحص المخطوط ومقارنة النصوص ودراسة أسلوبها وتاريخها.

ولا يلغي أحدهما الآخر.

فالقول إن هناك مخطوطًا لا يغلق باب النقد.

والقول إن هناك ملاحظات أسلوبية لا يلغي وجود المخطوط.

أما الحكم النهائي على نسبة النصوص، فينبغي أن يستند إلى مجموع الأدلة لا إلى الموقف السياسي أو الانطباع الأدبي وحده.

ولهذا فإن أهم تطور في القضية ليس ارتفاع نبرة السجال بين الطرفين، وإنما انتقال المادة الأصلية نفسها إلى دائرة أوسع من الإتاحة.

لقد بدأت الحكاية بسؤال: أين شعر البردوني الذي لم ينشر؟

ثم تحولت إلى سؤال: هل ما نشرته الهيئة هو شعر البردوني؟

واليوم أصبح السؤال الأكثر فائدة:

ماذا يقول المخطوط عندما يوضع أمام الباحث، ويقارن بالنص المطبوع وببقية تجربة البردوني؟

وهذا هو الملعب الذي ينبغي أن تستقر فيه القضية.

فالمؤسسة من حقها أن تدافع عن عملها، والنقاد من حقهم أن يسألوا، والباحث من حقه أن يفحص.

وفي النهاية، لا تحسم قضية تراث شاعر بحجم عبدالله البردوني بكثرة المدافعين عنه ولا بكثرة المشككين فيه، وإنما بما تستطيع الوثيقة والنص والتحقيق العلمي أن تثبته.

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة