الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

كتاب (ثوَّار في رحاب الله).. واقعية الرصد من خلال تناول الشخوص

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

كتاب (ثوَّار في رحاب الله)..
واقعية الرصد من خلال تناول الشخوص
جميل مفرح
الكاتب المحايد الذي لا يرتبط نتاجه بمصلحة شخصية أو بموقف مسبق، هو شاهد عدل، خصوصاً فيما يرتبط بإثبات الحقائق ورصد الأحداث وتدوينها، وقد يكون قاضياً عادلاً إذا ما ثبت الحياد عند كتابته للتاريخ.. فإذا تحدثنا مثلاً عن الكتابة حول ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م، سنجد لهذا العنوان أو الموضوع أفقاً بل آفاقاً مفتوحة للكتابة طوال أكثر من ستين عاماً، لا تزال حتى اللحظة مشرعة، ولا يزال هذا الحدث الثوري التغييري يتجدد ويتسع للكتابة، على الرغم من البعد الزمني والواقعي وشتى التغيرات والتقلبات السياسية والاجتماعية، التي شهدها اليمن..
غير أن ما يخصنا هنا هو الحديث عن فترة الثورة مباشرة، وما تلاها من كتابات وشهادات، دونت أو حاولت أن تدون للثورة وأحوالها، والظروف المحيطة بقيامها، أي ما قبل وبعد تلك اللحظة الفارقة..
وبالحديث عن الكتابة حول حدث جلل كالثورة، تتداخل في بعضها مسئوليات ومشاعر ومواقف الكتابة، وتندلق بإزاء ذلك العواطف المرتجلة، والأنانيات الحذرة أحياناً والمتباهية أحياناً والوصولية المنتفعة أحياناً أخرى.. وينتج عن ذلك الكثير من التعارضات والطروح المتباينة، والتغاير في وصف الأحداث والمجريات، وبالتالي قد يحدث بعض الاختلاف الشكلي لا المضموني في تثبيت واستنتاج الحقائق.. وهو ما حدث في الغالب مع تدوين وتثبيت أحداث ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م..
ومع ذلك فإن تلك التباينات والتعارضات تحدث أو حدثت ربما في كتابة ووصف التفاصيل الثانوية.. بينما لا تكاد تتعارض الأفكار العامة والأساسية في هوية هذه الثورة.. والتدوين لها أياً كانت تفاصيله فإنها لا تتجاوز فكرة وجوهر الثورة وأهدافها والتغير الحقيقي والواقعي الذي أحدثته، فشتان ما بين ما قبلها وبين ما بعدها..
وبناء على كل ذلك إذا عدنا للحديث عن الكتابة عن تاريخ ثورة سبتمبر المجيدة، فإننا سنجد كماً هائلا من الكتابات والتاريخ والشهادات من قبل أناس منهم من كان شاهداً مشاركا في أحداثها ومنهم شاهد عن بعد وهناك من قدم شهادته بناء على المسموع والمقروء والمتداول.. وقد مرت فترة ربما من أواخر الثمانينيات حتى أواخر التسعينيات شاعت فيها فكرة نشر المذكرات والسير الذاتية لبعض ممن شهدوا الثورة أو شاركوا في أحداثها، فضلاً عن لقاءات صحفية وتلفزيونية وإذاعية، مع من تبقى ممن شهدوا الحدث أو شاركوا فيه..
وكانت تلك التدوينات والشهادات كثيرا ما تتضمن ربما مالا يمكن وصفه بالمغالطات، وإنما بالتحوير والتبديل أحياناً في وصف الأحداث، ومحاولات البعض غرس أنفسهم عنوة في تلك التفاصيل لغايات ذكرنا بعضا منها فيما سلف.. حد أنه ظهرت حالة من رد الفعل غير المتقبل والساخر لدى جمهور المتلقين.. خاصة حول أول الأشخاص الذين أوقدوا شعلة الثورة أو كانوا ضمن الأسباب التي حركتها..
ومن حالات التندر الجماهيرية على الكثير من الشهادات والكتابات حول أول يوم في الثورة، وصف الدبابة التي هاجمت دار البشائر بالباص الحافلة أو القطار، فقد كثر من ادعى أنه كان على متنها، بينما الحقيقة أنه لم يتبق على قيد الحياة أحد ممن كانوا على متنها، وكانوا هم أوائل شهداء الثورة وذلك ما يثبته الأستاذ عبدالله البردوني في مستهل تناولاته وموضوعاته في هذا الكتاب..
(ثوار في رحاب الله) للأستاذ البردوني، تتكون مادته من ٢٨ وقفة مع ٢٨ شخصية من أوائل ثوار السادس والعشرين من سبتمبر، بين سياسيين وعسكريين ومثقفين وفنانين ورجال دولة ووظيفة عامة.. وفي مقدمة تلك الشخصيات (الثلاثي الشهير) (عبدالرحمن محمد المحبشي، محمد صالح الشراعي، محمد علي الحنكي) الذين استشهدوا في أول دبابة بدات بقصف دار البشائر، فكانوا أول ضحايا الثورة في فجرها الأول..
بالإضافة إلى أدباء وفنانين أمثال عبدالله حمران، عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول)، والفنانين الكبيرين علي بن علي الآنسي وعلي عبدالله السمة وآخرين ممن حملوا شعلة الثورة وأشعلوا أوارها في وجه الاستبداد والطغيان..

مادة الكتاب كان الأستاذ رحمه الله قد نشرها على شكل حلقات إذاعية في ثمانينيات القرن الماضي.. وحسبما يرد في مقدمته التي كتبها الأستاذ عبدالرحمن مراد رئيس الهيئة العامة للكتاب، فقد كانت كما يبدو معدة للطباعة ككتاب بذات الاسم في حياة البردوني، وأثبت ذلك بالاسم في وثائق حصر الوراثة.. وقد حصلت الهيئة على الكتاب من ورثة الأستاذ البردوني.. وتم جمعها كنصوص مكتوبة (أصول) وتسجيلات إذاعية مقروءة ومحفوظة على أشرطة كاسيت، والمقارنة والمطابقة بينها لإخراجها في أفضل شكل وأعلى مستوى من الدقة..
يتكون الكتاب من (٢٢٠ صفحة) من القطع المتوسط، احتوت على أكثر من (١٠٠ ألف كلمة).. وبالنظر إلى أن محتواه تناول هؤلاء الأشخاص في فترة معينة وحول حدث تاريخي واحد، فقد لوحظ ترابط حلقات الكتاب أو موضوعاته ببعضها وتطابق المعلومات والأحداث الواردة فيه، دون قصدية، أو دون تعمد لرصد الأحداث ذاتها وإنما
لشخوص الكتاب داخل تلك الأحداث، دون فائدة شخصية ترجى أو استحضار للذات بداخلها.. وهذا مما يجعل هذا الكتاب يعتبر من أهم وأصدق ما وثق توثيقا حقيقيا، و(بدون قصدية) لثورة ٢٦ سبتمبر، ولخص أحوال وسير الثوار الأوائل، والذين منهم من التهمهم أوار الثورة وغطاهم غبار وضجيج ما بعدها، أو بالأصح من تم تهميشهم من قبل من تسلقوا ظهر الثورة بعد قيامها، وأسندوا أحداثها وبطولاتها إلى غير أهلها..
(ثوار في رحاب الله) كتاب مثلما يتميز بالتشويق والإثارة اللذين عرف بهما الشاعر والكاتب الكبير عبدالله البردوني في كتاباته، فإنه أيضا يكتنز كما هائلا من المعلومات الخاصة بالثورة منذ مطلع فجرها في السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م، وما سبق وتلى ذلك من أحداث وتغيرات وشخصيات جوهرية وهامشية أيضاً.. وبما يؤكد أهمية الدعوة للاطلاع عليه وقراءته الكفيلة بإشباع القارئ بكثير من أهم حقائق الثورة السبتمبرية المجيدة.

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة