(الميتا شعرية) في قصيدة (وللحب بقية)
للشاعر حسن عبدالله الشرفي
محمد محمد العديني *
(الميتا شعرية) مصطلح نقدي يقصد به ماوراء الشعر ، أي الخطاب الشعري الواصف للشعر أو التجربة الشعرية للشاعر.
هذه مقاربة نقدية لقصيدة (وللحب بقية) للشاعر حسن عبدالله الشرفي، انتخبناها بوصفها إحدى أهم المؤشرات الميتاشعرية الكاشفة بعض أسرار فنه الشعري والسابرة لأغواره.
فالقصيدة من أواخر ما كتبه الشاعر، ضمن مجموعته الشعرية الأخيرة: (قصائد البركان)، حيث يعود تاريخ كتابتها إلى الثاني عشر من شهر ديسمبر لعام ألفين وتسعة عشر ميلادي. أي قبل وفاة الشاعر بخمسة أشهر.
يشير الشاعر في مطلع قصيدته إلى منبعين أو مصدرين أساسيين مترابطين لفنه الشعري وهما :
– الأصغاء الطويل
– ماضيه وذكرياته.
حيث يقول:
أصغى طويلاً ثم قال فأسمعا
وأتى به الماضي وبالذكرى معا.
والإصغاء فن ومهارة أولية فعالة في التعلم ، وصفة ملازمة للتأمل ، وأحد أهم الاشتراطات الروحية للحصول على الحكمة.
وفي الإشارة إلى قدرة الشاعر على الإصغاء الطويل دلالة عامة واضحة على زمن طلبه وتلقيه وبحثه وإفادته من علوم ومعارف عصره المتاحة، فضلاً عما للإصغاء من دلالة خاصة وأهمية بالغة في تكوين شخصيته النفسية والشعرية العميقة، وأسلوب أو طريقة معايشته وتعاطيه الشعري لوقائع ومجريات حياته وتاريخه وموضوعاته الشعرية.
وهو ما يمنح تجربته الشعرية زخما وخصوصية ذاتية، كانت وراء إعلانه عن صوته الشعري وتأكيد حضوره القادر على الوصول والتأثير في الآخرين.
إلاّ أنه صوت يتسم بالبوح الحزين الذي يتمسك بحقه الوجودي في الكلام أو مراوغة الوجود وغوايته، طالما لم يسمح للبكاء بخيانته:
في بوحه شجن تقول عيونه
أن الذي في باله لن يدمعا.
وطالما ترك مزاجه حراً وأحلامه طليقة، وحنينه مرصعا باليواقيت:
ألقى بشرنقة الحرير مزاجه
فبدا بياقوت الحنين مرصعا
من يسأل الأحلام عنه وليس من
حق التساؤل أن يقول فيوجعا
مكتفيا بذلك البوح الحزين، بصوته وزمنه الشعري الحزين المراوغ ، حيث لا يعود لمفهومي الزمان والمكان المحظوظين أهمية أو حضور إلاّ بقدر احتضانهما لقلبه المبدع ، أي زمنه الشعري:
أرأيت كم هو كالشجون مراوغا
حتى وإن لقي الخيال الممتعا
واليوم يا صنعاء أين زمانه ؟
أين التي حضنته قلبا مبدعا
حيث تخضر الأماني ، ويصبح الشغف الشعري وغوايته الفتية احتجاجا وجوديا صريحا وكاملا على انطفاء العالم وجدبه:
الأمنيات الخضر مرت من هنا
ليظل كالشجن المناوب مولعا
ولأن صنعاء التي لم تنهه
عن غيه زادته غيا أطوعا.
وهو ما يمكن أن نجد له إرهاصات أو صدى في قصيدة سابقة للشاعر، قصيدة : ( الآن) ضمن مجموعته الأخيرة : ( تجليات النفس الطويل) الجزء الثاني ، والتي يعود تاريخ كتابتها كما هو مدون في آخرها إلى : اغسطس ٢٠١٥م ، ومطلعها:
ما ثم من يحكي ولا من يسمع
كل الجهات هنا يباب بلقع.
وهكذا يواصل الشاعر إطلاق تصريحاته مؤكدا على فلسفته الشعرية وتوحده بزمنه الشعري كما في قوله:
يا عمره في كل نبض قلبي لهم
كم واحد وجد الحياة فضيعا
هي شرعتي ولكل حب شرعة
وكأي نجم لا يمل المطلعا
هذي دواويني تشافه عاشقا
لقي العيون القارئات فطوعا
هذا أنا والست والسبعون يا
من لا يرى إلا الجفاف البلقعا.

============
* (ورقة عمل مقدمة للندوة التي نظمتها الهيئة حول الشاعر الكبير حسن عبدالله الشرفي)
** شاعر وناقد أدبي











