الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

مستطرف البردوني.. مقاربة أخرى

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

مستطرف البردوني
مقاربة أخرى *

علوان مهدي الجيلاني

كنت أريد لهذا العرض أن يكون شهادة ذاتية على اشتباكي بأحد كتب البردوني، شهادة تنبع من داخلي بقدر ما تنبع من داخل العمل نفسه. لكن المنحى الذي اتجه إليه منظمو ندوة البردوني هذا العام، بدا وكأنه يفرض عليّ أن ألخص التحليل واللغوي والنقدي الموسع الذي انبت عليه مقدمتي للكتاب؛ والتي حملت عنوانا دالاً؛ هو (مستطرف البردوني .. دخائل السرديات وتزيّداتها)، حيث بدأتها بتحليل متشعب لكلمة (مستطرف) من الناحية اللغوية والمعجمية، وربطتها بمعاني الغرابة، التنوع، الاختيار، والمتعة، وقد فعلت ذلك بغية إعانة المتلقي على فهم طبيعة الكتاب؛ مع الحرص على توضيح ناحية مهمة؛ وهي أن البردوني أخرج الطرفة من دلالتها الساذجة إلى دلالة أبعد وأعمق من خلال التحليلات والتعليلات التي يقدمها.
حرصت –أيضاً –على عقد مقارنة بين مستطرف البردوني والمستطرفات التراثية الشهيرة مثل كتاب الأبشيهي (المستطرف في كل فن مستظرف) حيث بيّنتُ جوانب التشابه والاختلاف، ونبّهت المتلقي إلى أن البردوني يضيف سمة التعليل والتحليل والنظر إلى السياقات التي أنتجت الطرفة، وهو ما لم يكن موجوداً في المستطرفات القديمة.
إلى جانب ذلك كله حاولت إبراز السمات المميزة للبردوني ككاتب، مثل قدرته على استقراء دواخل الحكايات، وتأشيره على مفاصل التبدلات في المشهد الإبداعي والثقافي؛ وهي سمات تتمركز في موسوعيته الثقافية، وحساسيته العالية تجاه النكتة والطرفة، وقدرته على استحضار الشبيه والنظير من العصور المختلفة.
أما الموسوعية الثقافية؛ فتبرزها مادة الكتاب التي لا تقتصر على الأدب العربي القديم والحديث، بل تمتد لتشمل الأدب والفن الغربيين، كما يتضح من قصص جورج برنارد شو وجورج صاند ورئيس الولايات المتحدة ويلسون.
كذلك ناقشت مفهوم (التزيد)؛ وهو مفهوم أشرت به إلى تميز الخيال السردي لدى البردوني، كان البردوني –حسب معرفتي الشخصية به، ومعاشراتي الطويلة لكتاباته يتقبل (التّزيّد) في هذا النوع من الكتابة؛ كما فعل في مقارنته الطريفة بين الشاعرتين نازك الملائكة وفدوى طوقان، إذ أن البردوني نفسه يعترف بأن ما كتبه في هذا السياق هو (اشتمام) يعتمد على المتابعة وليس على البرهان.
وقد لفتتني ضآلة حضور النوادر والطرائف اليمنية في الكتاب مقارنةً بحضور الأدباء والفنانين من مصر والشام والعراق؛ وطاف بذهني تساؤلٌ عما إذا كان سبب ذلك تجنب بعض الحساسيات، أم أن البردّوني كان يميل إلى ما هو شائع عربياً وعالمياً.
وبطبيعة الحال، كان عليّ أن أتثاقف مع القارئ حول قصة نشر الكتاب مطلع تسعينيات القرن العشرين في صحيفة (الوحدة)، وتحديد تواريخ نشر الحلقات وأرقامه، وقصة تبني الكاتب عبدالرحمن مراد رئيس الهيئة العامة للكتاب لذلك الجهد الذي تشاركناه أنا وصديقي الشاعر جميل مفرح.
***
بوسعي في هذا العرض تقديم إضافات كثيرة لما ورد في تلك المقدمة، من ذلك قوّة النقد الاجتماعي والأدبي اللاذع؛ حيث يستعمل البردوني الطرفة سلاحاً لكشف جهل الأدباء، وتزمت المجتمع، ونفاق السياسيين، وغرور الفنانين، بطريقة غير مباشرة لكنها شديدة الفعالية؛ من ذلك قصة الطيب صالح والمتنبي. ففي إحدى الطرائف يروي البردوني أن الروائي السوداني الطيب صالح ألقى قصيدة للمتنبي في أمسية شعرية بدمشق، فظن الحضور أنها من شعره، ونشرتها الصحف باسمه.
وقد استدعى البردوني هذه الطرفة بوصفها مفارقة تكشف عن جهل الكثير من الأدباء المعاصرين بالتراث الأدبي القديم؛ بل تفضح نوعاً من الجهل صار ظاهرة واسعة الانتشار في ثمانينيات القرن العشرين.
في السياق نفسه يستدعي البردونيُّ شخصية الشاعر البائس عبد الحميد الديب الذي كان بلغ من اشتهاره بالهجاء أنه كان يهجو أخاه، ثم يسرد أشهر طرائف الدّيب؛ وهي الطرفة التي اجترح مفارتها في حفل تكريم أحمد شوقي، حيث صعد على المنصة وبدأ إلقاء قصيدة مطلعها:
يا رجال الشعر والفن الرصين
ثم صمت قليلاً، وحين تشوّفت عيون الحاضرين إليه؛ أكمل قائلاً:
لعنة الله عليكم أجمعين.
فهذه الطرفة لا تضحكنا فحسب، بل إنها تكشف عن تذمر نقديّ لاذع استهدف به الديب نخبة الأدباء التي كانت تقتل المشهد الثقافي آنذاك بالإمعان في الزيف والجمود، بقدر ما تكشف عن حس الفكاهة الساخر الذي تميز به الديب.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر؛ فإن سردية الديب مع حفل تنصيب شوقي أميراً للشعراء، تجعل البردوني يستدعي سردية شبيهة عمودها الفقريُّ جدال عقيم بين مفتيَين حول صلاحية ماء الوضوء، وقد حلّ الشيخ محمد عبده ذلك الإشكال بعبارة موجزة تحمل دلالة عميقة جداً: (توضأ من الماء الذي يروقك أن تشرب منه). ومغزى هذه السردية أن البردوني كان من خلال طرفة ينتقد التعقيد غير الضروري في التفكير الفقهي، ويدعو إلى البساطة والفهم العملي للأمور الدينية، وهو ما يتماشى مع الفكر المستنير الذي تبناه الشيخ محمد عبده.
إلى جانب ذلك نجد مستطرف البردوني، يتأمل نقائض الحياة الأدبية من خلال سردية طريفة تتعلق بصالون مي زيادة الأدبي الذي كان يستقطب كبار الشعراء والأدباء مثل عباس العقاد، وأحمد شوقي، وإسماعيل صبري، ومصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، ثم يذكر تأثيرها بشكل خاص على العقاد والرافعي، ثم يستطرد من ذلك إلى التأمل في سيرة العقاد الذي أوصى في مرض موته بثلث ثروته لفتاة شابة؛ ومثل هذه السردية لا تظهر فقط الجانب الإنساني والعاطفي للعقاد، لكنها تعكس أيضاً اهتمام البردوني بالأسرار والخبايا في حياة الأدباء، فهو يريد لفت أنظارنا إلى أن هذه التفاصيل الشخصية تُضيف بُعداً جديداً لفهم أعمالهم وشخصياتهم.
مستطرف البردوني يلقي الكثير من الضوء على الخصومات الأدبية غير المعروفة للعامة؛ أعني تلك الخصومات الخفية التي تدور تحت السطح، وتعتمد على الضرب تحت الحزام؛ على سبيل المثال، تسرد لنا إحدى الطرائف: كيف تبادل الأستاذ محمد إمام العبد وتلميذه محمود الزناتي الهجاء المبطن باستخدام بيتين من إحدى قصائد المتنبي الشهيرة، دون أن يفطن أحد إلى ذلك؛ هنا يبدو جليّاً أن الطرفة ليست سردية عادية، إذ هي في حقيقتها وسيلة لكشف الأسرار، والتنويه بغرائب البديهة الذكية كما تتكشف لنا؛ من خلال العبد وتلميذه.
وثمة ظاهرة عرفتها الحياة الثقافية العربية بين نهاية ثمانينيات القرن العشرين ومطلع تسعينياته، هي ظاهرة كتابة السيرة الذاتية أو توثيق الحياة من خلال الآخرين، ومكمن الطرافة فيها كما اشْتَمّهُ البردوني؛ هو أن أرامل كبار الأدباء والمفكرين، مثل سوزان طه حسين وعبلة الرويني زوجة أمل دنقل، وسناء الدروبي زوجة سامي الدروبي، كشفن في كتبهن عن جوانب إنسانية وشخصية لأزواجهن لم يكتبوها هم في سيرهم أو أعمالهم، وهو يذهب إلى أن ما فعلنه مميزٌ جداً؛ لأنه يضيف أبعاداً جديدة لفهم شخصياتهم.
***
ملمح آخر في مستطرف البردوني يتمثل في أنه يتناول ظواهر حديثة لم تكن موجودة في المستطرفات القديمة، من ذلك تحول الكتابة الذاتية إلى اتجاه أدبي واضح المعالم، ليس ذلك فحسب، بل تحولها إلى ما يشبه الموضة؛ وإلا فما سبب لجوء ثلاثة من كبار الأدباء المعاصرين، وهم لويس عوض ومحمد مهدي الجواهري وسهيل إدريس، إلى كتابة سيرهم الذاتية في وقت واحد.
كذلك انتشار الخرافات الأدبية؛ التي تبدأ بما يشبه المفاكهة الطريفة؛ ثم ما تلبث أن تتحول إلى معتقدات؛ كما سردية تشاؤم ابن الرومي وشؤمه، وتأثيره المزعوم على كل من كتب عنه، من إبراهيم عبد القادر المازني إلى طه حسين، إلى كامل الكيلاني، إلى عباس العقاد، وهذه السردية الطريفة هدفها الربط بين الأدب والواقع بخيط من الفكاهة والخرافة.
ومثل هذا النوع من التحليل النقدي الطريف للعلاقات الأدبية المعاصرة، يجعل الكتاب قادراً على التّحمّل بدلالات تتجاوز فكرة (المستطرف) ليكون وثيقة أدبية وفكرية للمرحلة التي يوثقها.
وليس أدل على ذلك من رصده لظاهرة الانقطاع عن الإبداع، حيث يتناولها كظاهرة طريفة وغريبة في عالم الأدب والفن، وإذ يتم انقطاع المبدع عن إبداعه فجأة؛ فلا أكثر تمثيلاً للحالة من سردية الشاعر الفرنسي (آرثر رامبو) الذي قفز من عالم التشريد إلى قمة الشعر بديوان واحد، ثم هجره فجأة ليتجه إلى عالم التجارة، وذلك أمر يثير تساؤلاً حول طبيعة الإلهام وحدود الإبداع؛ وقد تكرر الأمر مع (فرانسوا ساغان) التي هجرت الأدب إلى تجارة المخدرات، معللة ذلك بأنها (لعبة الموت) التي تفضلها.
وهكذا تمضي طرائف سرديات الكتاب، فنجد الروائي يوسف الشاروني يثير الجدل بوضع يوسف السباعي إلى جانب نجيب محفوظ ومحمد عبد الحليم عبد الله في كتابه (الروائيون الثلاثة)، حيث اتهمه النقاد بخلط معايير التصنيف الأدبي.
ونجد محمد كرد علي يوجه نقداً للرواية بوصفها فن إلهاء، ويدعو إلى الاهتمام بالكتب العلمية، في موقف يعكس وجهة نظر عصره (مطلع القرن العشرين).
ونتابع عميد الأدب العربي طه حسين وهو يعيد تقييم شعر محمود أبو الوفا في (حديث الأربعاء)، حيث يُسقطه من قائمة الشعراء ويعدّه مجرد ناظم، وذلك بدافع سياسي محض، والبردوني يتغيّا الإشارة إلى تأثير المواقف السياسية والشخصية على النقد الأدبي.
ومن المفارقات الطريفة التي يوردها البردوني سردية جفاء استمرت عامين بن كوكب الشرق أم كلثوم والشاعر أحمد رامي؛ وذلك بسبب سوء فهم عاطفي، قبل أن تعود العلاقة بينهما إلى نصابها بفضل تدخل شريكهما الثالث في الابداع الموسيقار رياض السنباطي، وبتدخله تحولت التجربة العاطفية إلى أغنية عبقرية.

عميد الأدبي العربي طه حسين الذي قابلتنا قسوته المتجهمة في سردية محمود أبو الوفاء، يلقانا مرة أخرى ولكن بوجهه العملي والإنساني، حيث يقنع محمد عبد الوهاب بإحياء حفل غنائي رغم تلقيه خبر وفاة والده، في تأكيد قويّ على أن الحزن أهم أرصدة الابداع، وأن الحياة لا تتوقف حينما تريد الّا تتوقف.
ونلاحظ أن البردوني في السرديات السابقة قد وسع نطاق مستطرفه ليشمل طرائف عن التمرد، والتحولات الحادة في مسيرة المبدعين، ويرصد تأثير العوامل الشخصية والاجتماعية على الإنتاج الفني؛ وهي توسعة مثلت إضافة كبيرة ومثرية لما سبقها، فقد عمّقت الرسائل الدلالية وكملت الصورة التي تقدمتها. فإذا كانت الطرائف الأسبق منها قد قدمت ملامح عامة للطرفة الأدبية، فإن الطرائف التي نتحدث عنها ذهب إلى ما هو أبعد؛ حيث استعرضت مواقف وسلوكيات معقدة من حياة المبدعين.
***
وفي وجه مغاير من وجوه مستطرف البردوني نجده يستخرج الطرفة من نقد المرويات التاريخية والتراثية، في تأكيد حاسم على أن الطرفة لا تقتصر على الأدب بل تمتد إلى التاريخ.
في هذا السياق يقدم مثالاً صادماً بكتاب (العرب لم يغزوا إسبانيا) للدكتور إسماعيل أمين، الذي ينفي واحدة من أشهر الحقائق التاريخية المعروفة. هذا الموقف يثير الجدل حول موثوقية المؤرخين القدامى، ويؤكد أن التاريخ ليس حقيقة مطلقة.
تعرض (ألف ليلة وليلة) للتهذيب والتشذيب في العصر الحديث كي تناسب أذواق المجتمع، يمثل بالنسبة للبردوني مفارقة طريفة، بل يغدو أساساً لسردية ساخرة ومؤلمة؛ إذ أن ذلك التهذيب الأهبل والتشذيب الأخبل قد أدّيا أدى إلى فقدانها أسلوبها الأصيل؛ وذلك جدير بفتح نقاشٍ حول علاقة الأدب بالأخلاق ودور الرقابة وحدودها.
ويستعرض البردوني سرديات تشخّص الجانب الإنساني والعفوي من حياة الأدباء والفنانين، بعيداً عن صورهم النمطية الرسمية؛ مثال ذلك سرديات الكاتب إبراهيم عبد القادر المازني الطريفة عن حياته اليومية، مثل سرديته مع خادمته التي تسبب له ورطة مع الشرطة، وهنا يومئ البردوني إلى الكيفية التي تتحول الطرفة من خلالها إلى وسيلة ذكية لنقد الواقع.
***
وهناك سرديات المفارقة بين المبدع وفنه؛ والبردوني في هذه التّنويعة يسرد مفارقات تكشف التباينات بين ما يقوله الفنان وما يفعله. ويتجلى ذلك بوضوح في حكاية الشاعر خليل مردم بك الذي كتب قصائد عاطفية وحنونة عن الحيوانات المذبوحة، لكنه يأكل اللحم بشراهة.
كذلك سردية الشاعرة عاتكة الخزرجي التي كانت تكتب شعراً عاطفياً في شبابها؛ ثم في ذروة نجاحها في ذلك الاشتغال نجدها تتحول إلى شعر الزهد، وتتسبب في خيبة أمل لجمهورها.
أيضاً سرديّة (مدرسة الديوان) التي حاولت تحطيم مكانة أحمد شوعي، وفي ما بعد اعترف المازني نفسه بفشل مساعيه وزميليه العقاد وعبدالرحمن شكري، ويذكر كيف نجح طالب أسواني بإثبات خطأ نظرية العقاد.
***
أما السرديات التي تهتم بإظهار الجانب الإنساني والمعقد للعلاقات الأدبية؛ فإن البردوني يسلط الضوء من خلالها على طرائف معقدة وغنية بالدلالات؛ فنقرأ ثنائية الخداع والذكاء في مقلب زواج عبد الحميد الديب من أم كلثوم. فالسردية تحتفي بجرأة الخداع المتناسج بذكاء الديب الحاد وفهمه الواسع لآليات الشهرة؛ حين نشر خبراً كاذباً عن زواجه بأم كلثوم
ونقرأ مفارقات التكريم المتأخر ومحاولات (إنصاف النوابغ المظلومين) عبر إصدار كتب تدرس شعراء وأدباء لم ينالوا حقهم من التقدير في حياتهم، كما في حالتي زكي مبارك وعيسى الناعوري.
ونقرأ مفارقة التناسب بين الفن والفلسفة من خلال سردية الفيلسوف إبراهيم بيومي مذكور؛ الذي انتقل من برودة قمم الفلسفة الأكاديمية إلى دفئ السيرة الذاتية دون أن يفقد اتصاله بالفلسفة؛ وتسخيرها لإغناء نصه السردي.
ونقرأ مفارقات الجنون الفني في سردية الإسكافي الذي انتقد تمثال مايكل أنجلو، وهي سردية تشخّص اتواضع الفنان العبقري واحترافيّته. نقرأ مفارقات الجنون الفني أيضً في سردية الفنانة نجاح سلام التي كشفت عن وجهة نظرها الوجودية من خلال الغناء.
هذا النوع من السرديات في (مستطرف معاصر) لا يقدم متعة القراءة وحدها، بل يحفز على التأمل في طبيعة الإبداع، وخصوصية المواقف الشخصية التي تشكل الفن، وتداخل الفن بالحياة اليومية.
***
البردوني في مستطرفه يقدم تأملاً لافتاً يفلسف من خلاله ظاهرة فريدة في الأدب العربي، وذلك من خلال مقارنة الشاعرين أحمد الصافي النجفي وابن الرومي. ففي هذه الحالة يفارق الشعر كونه فناً للتعبير العاطفي ليصير أداة للتوثيق الاجتماعي والسياسي، وكشفاً للتفاصيل الصغيرة في حياة الشاعر نفسه وعصره، من الأغاني والمطاعم إلى ردود الأفعال على الاختراعات الحديثة كالإذاعة.
غير أنه ينتقل فجأة إلى دراسة (المستطرفات) القديمة بوصفها نوعاً أدبيّاً، وليست سرديات أو حكايا هزيلة؛ فهي على الحقيقة أدب ساخر يجمع بين الفائدة والتسلية؛ ومن خلال سرديات (قراقوش) والعجوز في بغداد، يتبين لنا كيف أن هذه الطرائف كانت تستعمل للنقد الاجتماعي والسياسي بذكاء، ونرى من خلالها التركيز على ظاهرة تَزَيُّد الرواة.
تلك السردية القديمة تسلمنا إلى سردية حديثة تتموضع العلاقة المعقدة بين الفنانين والسياسة؛ فالسرديّة هنا تكشف عن جانب خفيٍّ من حياة الفن فقد كان اللقاء الفني بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب حدثاً فنيّاً كبيراً، بيد أنّه لم يكن وليد صدفة، وإنّما كان نتيجة تدخل سياسي مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر، وتلك هي النقطة التي يتمثل فيها تأثير السلطة على المشهد الثقافي.

وإذا كان الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) يتميّز بقدرة استثنائية على دمج الجمال والوصف الرمزي في موضوعات قاسية مثل الحرب والصحراء والموت، ما يجعله مختلفاً عن الشعراء التقليديين، ويكشف عن تفاصيل تسميته بالأخطل الصغير وكيفية استخدامه لهذا اللقب، فإنّ الشخصية الفريدة التي تمتّع بها زكي مبارك؛ -وهي شخصية فذّة تمع بين الأكاديمية والفكاهة – تجعلنا نتساءل: لماذا أصر على استعمال ألقابٍ مثل (الدكاترة)، وكتب بأسلوب مختلف؛ وكأنّ غاية مؤلفاته إنما هي البحث عن علاقة بالأدب الروائي.
في هذا المتّجه يُكثر البردوني من المقارنات الأدبية العميقة؛ ويقدم سرديات تخص المازني ويحيى حقي؛ حيث تكشف عن تشابه أساليبهما في الجمع بين الفكاهة والجدية، مع تسليط الضوء على قدرة يحيى حقي على التنبؤ بمستقبل أدب نجيب محفوظ قبل عقود من فوزه بجائزة نوبل.
مقابل ذلك يتموضع سردية غادة السمان وغسان كنفاني ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول أخلاقيات نشر الرسائل الأدبية، مقارناً حالة السمان التي نشرت رسائل كنفاني فقط، بحالة الرافعي الذي نشر رسائله؛ ورسائل مي زيادة.
***
إن جوهر المثاقفة مع مستطرف البردوني يكمن في إثبات أن الطّرفة ليست حكاية عابرة أو محض وسيلة للتسلية، وإنما هي أداة فلسفية عميقة تُستعمل لفكّ شفرة الواقع المعقد؛ والبردوني في هذا الكتاب يذهب إلى ما هو أبعد من سرد النوادر، إذ هو يُشرّحُ من خلالها العلاقة الملتبسة بين الفن والحياة، بين الذات والوجود.
لذلك يمكننا القول إن الخاتمة الفلسفية لهذه المثاقفة تذهب إلى النظر إلى (المستطرف) بوصفه فعل مقاومة، مقاومة ضد السّبات الطويل؛ ضدّ السطحية؛ وضد الجمود الفكري. فهو يعلّمنا أن الحقائق الكبرى قد لا تكون في السرديات الرسمية أو السير الذاتية المنقّحة، بل في الهوامش، في الأخطاء العفوية، في الخلافات الخفية، وفي تناقضات المبدعين أنفسهم. إنه دعوة للتأمّل في الطبيعة الإنسانية التي لا يمكن اختزالها في صورة واحدة، لكنها تتكشف في تفاصيلها اليومية، في حساسية الشاعر تجاه نقد تافه، أو في موقف مفاجئ من فيلسوف.

في النهاية، يتركنا “مستطرف البردوني” أمام سؤال وجودي: هل يُعبّر الفن عن الحياة أم يكشف عن زيفها؟ وإجابته الضمنية أنّه يفعل الأمرين معاً. فالفنّ، في صورته “المستطرفة” هذه، هو مرآة مزدوجة؛ تعكس الجمال والعبقرية من جهة، وتُظهر العيوب والأسرار والشقاء من جهة أخرى. وهو بذلك يؤكد أن التفكير النقدي العميق يبدأ من حيث تنتهي المعلومة الظاهرة، ليبدأ البحث عن الحقيقة في أغوار الطرفة.

* ورقة عمل قدمت في ذكرى رحيل البردوني التي نظمتها الهيئة العامة للكتاب ٣١ أغسطس ٢٠٢٥م.

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة