الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

الوحدة الإنسانية المشتركة

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

كتب المقال / الأستاذ. عبدالرحمن مراد

يحدث اليوم في عموم الجغرافيا اليمنية عملية ثقافية تحفيزية تهدف على اكساب المجتمع هوية ايمانية وثقافية وحضارية مضافة وهي تعتمد اعتمادا متزايدا على مختلف الجماعات بهدف الوصول للوحدة المشتركة أو الاحساس بها في ظل ما يتعرض له الاسلام من هجوم ومن تشويه متعمد ويقترض أن يحمل شلال الايحاء المتدفق من بين حروفها مشروعا نهضويا كبيرا يصنع من الفكرة الدينية مشروعا سياسيا واعيا وقادرا على احداث التحولات وتحريك عجلتها وهذا ما يفترض أن تدل عليه رموز واشارات خطاب السيد العلم قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي.

قضيتنا الكبرى اليوم هي الوصول الى وحدة انسانية مشتركة، ولا نستطيع ذلك إلا من خلال الفنون، وقد يشكل النشاط الثقافي ركيزة اساسية للوصول الى ذلك فالمولد مثلا لا يعني تظاهرات شكلية ولكنه يعني مسارا ونسقا ثقافيا يعيد ترتيب النظام العام والطبيعي ويعيد البناء لمواجهة العدو الذي يتربص بنا الدوائر وغاية مقاصده تفكيك البنى الثقافية وفصل الامة عن رموزها ومرجعياتها الفكرية والثقافية والايمانية حتى يسهل عليه فرض ثنائية الهيمنة والخضوع عليها وقد فعل ذلك بالقياس الى حركة التطبيع التي تجري مع الكثير من الانظمة العربية اليوم في عموم الوطن العربي.

وعلينا أن ندرك أنه في اليمن ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي بدأت حركة الانفتاح السياسي الذي تظافرت في تعزيز حركته ووجوده عدة عوامل دوليه كانهيار المنظومة الاشتراكية, واقليمية كحرب الخليج, ووطنية وتتمثل في تحقيق الوحدة الوطنية والسياسية بين شطري اليمن,ومن خلال هذه المتغيرات دخلت عدة مفاهيم جديدة في القاموس السياسي اليمني كالوحدة, والتوافق, والتناوب, والشراكة الوطنية, والعدالة الانتقالية,كما لوحظ الاقبال المكثف على توظيف بعض المفاهيم الجديدة كالحداثة, والتحديث, والديمقراطية, المجتمع, المواطنة, الحريات, حقوق الانسان …الخ ومن اللافت للنظر أن توظيف تلك المصطلحات كان يتم دون نظر أو تدقيق أو حرص من أرباب السياسة أو جماعة صناعة الخطاب السياسي أو المؤسسات ومراكز الدراسات التابعة للمنظومة السياسية وقد ترك ذلك الاهمال ظلالا قاتما على المفاهيم بعد الصراع الذي عاشته وتعيشه اليمن منذ عام 2007م الى اليوم الذي تشهد فيه شيوع المفاهيم الملتبسة مثل الاستقلال والحرية والسيادة والتحرير …الخ فالصراع يترك ظلالا قاتما على المصطلح وقد يحدث التباسا بغية الوصول الى انهيار النظام العام والطبيعي وقد حدث ذلك من حيث يدري أرباب السياسة ومن حيث لا يدرون إذ أن الفجور في الخصومة السياسية يحدث انهيارا قيميا وبالتالي تهديدا واضحا للنظام العام والطبيعي دون مراعاة لأي اعتبارات, إما عن جهل أو غباء سياسي مفرط,أو التباس في مفهوم المواطنة.

لقد وصلنا الى مرحلة تاريخية فاصلة في اليمن لابد لنا من الوقوف أمامها بقدر واعٍ من المسؤولية الاخلاقية والمعرفية, فالصراع اليوم لم يعد صراعا عاديا بل يستخدم سيل المعلومات للوصول الى أهدافه, وقد تكون أهدافه هدم المفاهيم وتغيير المصطلحات وتفكيك النظم المعرفية حتى يصل الخصم الى حالة التيه, ولذلك فالانتصار في مثل معارك اليوم يبدأ من خلال ضبط المفاهيم وتحديد ابعادها النفسية والاخلاقية والمعرفية فهي محك القيمة الفردية والمجتمعية,ومحك المواطنة الحقة من غيرها, كما أن السلاح التقليدي لم يعد كافيا وحده في إدارة المعارك,فالفنون كما في الحالة التركية تدير مشروعا استعماريا توسعيا ناعما تستخدم الدراما فيه والسياسية والاقتصاد وها هي تتمكن من تثبيت قدمها في العمق العربي بطرق ناعمة, فهي تتواجد في جزيرة سواكن بالسودان دون أن تثير ضجيجا وتتواجد بقطر بغباء قادة الصحراء العربية,وتتواجد بالبحر الاحمر والعربي برضى المجتمع الدولي, فالصراع اليوم ليس كما في أمسه فهو مختلف جدا, فالصراع والانتصار فيه يعتمد على قدرة الدول في توظيف الانفجار المعرفي بما يخدم مصالحها, ولذلك فبناء الفرد وتفجير قدراته وطاقاته من أهم الاستثمارات في هذا الزمن,وذلك من خلال تحديد مفهوم الوطنية والمواطنة وفق قيم وأسس التطورات الحضارية الحديثة وبما يكفل مواطنا واعيا مستقرا نفسيا واجتماعيا من خلال توفر حاجاته البولوجية الاساسية, ومن خلال شعوره بالعدالة الاجتماعية,وتكافؤ الفرص,وهي عوامل تعزز من الانتماء وتشد من العزائم لتفجير الطاقات بصورة ايجابية وليس سلبية.

لكل مرحلة من تاريخ المجتمعات مفاهيمها الخاصة التي تؤطر طريقة تفكير الأفراد والجماعات، وتحدد هوية وطبيعة العلاقات بينهم، ولا تكاد تقتصر جدلية الفكر واللغة على انتاج مفاهيم جديدة تستجيب للتحولات التي تطرأ على علاقة الفكر بالأشياء وبالعالم بل تعمل على تحسين المحتوى العام للمفردات وتحسين المفاهيم في اتجاه توسيع المحتوى الدلالي أو تضييقه أو تعديله بشكل من الأشكال.

ولذلك نقول أن المعركة الثقافية اليوم لا تقل شأنا عن المعركة العسكرية ولابد لنا من خوض غمارها بقدرة كبيرة حتى نحقق الانتصار الذي نرغب مالم فنحن ندور في دوائر مفرغة لا قيمة لها في الواقع ولا أثر لها في المستقبل، فدوائر التطور متعددة وتشمل الى جانب الدين العقل والفن ولا بد من التوازن بين الدوائر حتى لا تطغى دائرة على أخرى فيكون الصراع تعبيرا عن النقص لا استقرارا من توازن الكمال بينهم.

فالإسلام رسالة متجددة وليس قالبا جامدا, وهو فكرة ثورية,والفكرة الثورية التي قادها الرسول الاكرم أحدثت تحولا وتبدلا مازال يذهل المفكرين الى اليوم والذين جعلوا الاسلام كهنوتا وحالة تسلط جماعات على أخرى تأثرا بما دخل على الاسلام من ثقافات لم يفلحوا بل ساهموا في تراجع فكرة الثورة وأثرها في واقع البشر بل كانوا سببا جوهريا ومباشرا في حالة التخلف والتراجع الحضاري للعرب والمسلمين وهو حال من الذل والهوان يعانونه اليوم كما هو مقروء في الواقع وعلينا أن نقف عند هذه الفكرة حتى نعيد ترتيب نسقها بما يتوافق مع القيم الثورية الحقة فنحن في سياق مفهوم ثوري يستمد طاقته من الدين الحنيف ولابد لنا من فهمه والتفاعل مع المعرفة في مستوياتها المتعددة الحديثة حتى نترك أثرا في الحضارة المعاصرة.

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة