الجمهورية اليمنية - وزارة الثقافة والسياحة

الهيئة العامة للكتاب
والنشــر والترجمة والتوزيـــع

بنية النص وأنساقه لدى الشاعر حسن الشرفي

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp

بنية النص وأنساقه الإنسانية في كتابي (تجليات النفس الطويل، وقصائد البركان) للشاعر حسن الشرفي *

زيد الفقيه

مدخل:
قبل الدخول إلى موضوع بنية النص وأنساقه الإنسانية في قصائد الشرفي لا بد أن نطلُ على مفهوم بنية النص عند الشكلانيين الروس فهم يرون ان بنية النص تتمثل بتحديد عناصره المتمثلة بـ: المقدمة، وجسم النص، وخاتمته، وفقراته، وجمله، ومفرداته، وما تؤديه من وظائف دلالية، وغايات مقاصدية، ومدا طرحه لمشكلة ما، وما يرمي إليه النص والرموز، ومعرفة المعاني المبطَّنة والصريحة، وكذلك معرفة الهدف من كتابة النص، بذلك فقد كان هدف الشكلانيين هو خلق استقلالية كبيرة للنقد الأدبي عن العلوم الإنسانية الأخرى، وهذه الرؤية توجِّه إلى فصل النص عن كاتبه ومحيطه والتي أطلق عليها فيما بعد (نظرية موت المؤلف)، التي تهتم بالنص والنَّص فقط، وهذا يتطلب أن نذهب إلى دراسة النص من ناحيتين الأولى بنية الملفوظ، وهي بنية النص (القول المفرد) والثانية بنية النص(القول المركب)، أما بنية التلفُّظ في بنية الخطاب، بوصفه نظام بناء النًّص وهذه تعد بنية سطحيِّة، أو فوقية، أما الثانية (بنية الخطاب) فتعد البنية العميقة أو التحتية لكل النص، وندخل إلى هذه الدراسة عن طريق منهجين أساسيين هما: السيمائية، والتَّناصية مع الاستعانة ببعض المناهج الأخرى التي تفيدنا في تحليل النص والوصول إلى مقاصده.
مذبحة ضحيان
حين تقرأ قصيدة (مذبحة ضحيان) ــ التي كان ضحاياها أطفال كانوا في رحلة مدرسية ــ تقف أمام همجية العالم الذي نفى إنسانيته إلى خارج هذا الكون ليبتعد عنها تماماً، وحتى نقترب من مقاصد النص سندرس النص من ناحيتين ناحية لفظية جمالية، وناحية دلالية تقودنا إلى مقاصد النص ومراميه، ففي مطلع القصيدة يقول:
ـ ضحيان والبأساءُ واضراءُ ** “والطّفُّ” والحريِّةُ الحمراء
ـ ودمٌ بقارعةِ الجريمةِ ما درى ** من أين تأتي الغارةُ الشعواء
حين يذكر (ضحيان) في مستهل القصيدة يريد أن يقول أواه أواه يا ضحيان من غدرٍ أصاب فلذات أكبادك!! والبأساء والضراء، يذهب بلفظيهما إلى قوله تعالى:
(والصابرين في البأساء والضراءِ وحين البأسِ أولئِكَ الذين صدقوا وأولئِك همُ المُتَّقون) ، وفي كلمة الحرية الحمراء إشارة إلى بيت أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته “نكبة دمشق” الذي يقول فيه:
* وللحرِّية الحمراء بابٌ ** بكل يدٍ مضرَّجةٍ يُدقُ، وقد كتب هذه القصيدة عام 1926م للتعبير عن استنكاره للقصف الفرنسي الوحشي على دمشق خلال الثورة السورية الكبرى، وهذه الإحالات هي تتناص مع تلك النصوص التي يشير الشاعر إليها من خلال مدلولات النص السابق لأن التناص هو انصهار عددٍ من المعارف المبعثرة في وعي الكاتب وانتاجها بمعرفة جديدة هي النص؛ او حصيلة تفاعل نصي لعددٍ من النصوص المقروءة مسبقاً يحدث في عقل الكاتب أو القارئ، هذا التفاعل ينتج نصاً جديداً أصل مكوناته تلك النصوص، وقد تأتي بعض مضامين أو كلمات النصوص السابقة في مكونات النص الجديد فتحيل المتلقي إليها، والشاعر الشرفي حينما يأتي بهذه الألفاظ إنما يريد ان يقول لنا عودوا إلى مناسبات وشواهد هذه التناصات حتى تعرفون لما اوردنا هذه الألفاظ، وفي صدر البيت الثاني يقول:( ودمٌ بقارعةِ الجريمةِ ما درى)، وفي هذه العبارة الشعرية يريد القول أن تلك الدماء التي سالت من أولئك الأطفال لا تدري باي ذنبٍ قُتلت!! ومن أين جاءت تلك الغارات لأن براءة الأطفال شاهد على عدم معرفتهم لخلفيات تلك الغارات التي أودت بحياتهم، وفي البيت التالي يحيل الشاعر لمأساة أخرى في تاريخنا العربي إذ يقول:
ـ من ذا يعزِّي من؟ وكل بيوتها ** ثكلى وكل نسائها خنساءُ؟
في هذا البيت يتساءل الشاعر في صدر البيت عن حِيْرة المعزِّي إن كان ذلك بحاجة لمن يعزيه لأنه مكلوم كغيره، ويحيلنا الشاعر إلى مأساة عربية مشهورة في التاريخ العربي هي مأساة (صخر) الذي جلست أخته الشاعرة الخنساء ترثيه طوال حياتها ولم تنْسَه حتى فارقة الحياة، والشواهدُ في شعرها كثيرة ليس ثمَّة مجال لذكرها، ولكن استحضار تلك المأساة تستجمعها ثقافة القارئ لأنني أتصور أن النص بشكله البصري المرسوم بالكلمات لا يعني شيئاً غير صورته، وأن ثقافة القارئ هي التي تُولِّدُ معانيه ودلالاته من خلال مخزونه القرائي عبر سنوات العُمر، أو ما يمكن أن نسميه التَّشكُّل المعرفي الذي ينمو مع الإنسان خلال تراكم ذخيرته المعرفية والثقافية، ومن هنا يجوز لنا القول إن فهم النص يعتمد كثيراً على ثقافة القارئ الذي يوازي الكاتب، بل قد يتفوق عليه، ومن خلال تلك المآسي التي يحيلنا إليها الكاتب أكانت معاصرة أم قديمة تتضح لنا الأنساق الإنسانية للنص الذي بين أيدينا، ونجد المفردات كيف تتعاضد فيما بينها في البيت الشعري حتى تستطيع استقطاب القارئ إلى ما ترمي إليه، ففي قوله:(مَنْ ذا يعزي من؟) يريد القول إن كل إنسان مشغول بمأساته لذلك كيف أعزي غيري وانا أولى الناس بالعزاء؟ وفي قوله:(وكل نسائها خنساء)، وهنا يكفي أن يذكر الخنساء حتى يذهب التفكير إلى مأساة (سخر) ذلك الذي صار علامة حزينة في تاريخنا العربي من خلال مرثيات أخته الخنساء، ويذهب الشاعر إلى البعد الأخلاقي والقيمي فيقول:
ـ القاتل الطيَّار فوق رؤوسها ** ما عنده أسفٌ ولا استحياءُ
ـ ظهرت له “ضحيان” في أطفالها ** وكأنما هو صخرة صماءُ
في هذين البيتين يذهب الشاعر إلى الجانب القيمي والإنساني في الحروب لأن الخلاف والحروب لها قِيمها الأخلاقية والإنسانية، وقد اعتبرت العرب من يفجر في الخصومة إنساناً خارجاً عن العُرف ومارق عن عادات وقيم المجتمع القبلي والإنساني، وتتمثل هنا بقول الشاعر:( ما عنده أسفٌ ولا استحياء)، وقد جاء معمار الجملة الشعرية موائمة للبنية العميقة للمعنى فإذا كانت وظيفة البنية السطحية تتمثل في الكشف عن أشكال المعنى عبر البنى المتمظهرة فإن البنى العميقة تهتم بالكشف عن أشكال المعنى في بنياته المحايثة، بيد ان الشاعر يريد أن يفضح فجاجة وصلف العدوان على أطفال ليس لهم بالحرب لا ناقة ولا جمل وقد حدد القاتل في صدر البيت بقوله:( القاتل الطيار) إذاً فهو معلوم وليس مجهول وقد حددته ألفاظ البيت الشعري في بنيته السطحية، والعميقة معاً، في صدر البيت الثاني يكشف الشاعر مدى الحقد على أطفال ضحيان فيقول:(ظهرت له ضحيان في أطفالها) ولم يقل جيوشها ولا عتادها العسكري حتى يكشف للمتلقي انعدام الإنسانية عند ذلك الطيار القاتل، وهذا العدول عن شيء إلى شيء آخر هو أحد أساليب البلاغة العربية وقد وردت كثيراً في القرءان الكريم، وقد أشار الزمخشري إلى أن العدول من أسلوب إلى أسلوب فيه إيقاظ للسامع، وتَطْرِية له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر؛ لأن السامع ربما ملَّ من أسلوبه فينقله إلى أسلوب آخر تنشيطاً له في الاستماع، واستمالة له في الإصغاء، أما في عجز البيت فقد أكد في بعده الإنساني على أن ذلك الطيار منزوع الأخلاق والقيم والإنسانية فقال:(وكأنما هو صخرةٌ صماءُ).
ـ ويقول بُعران الهوان بأنهم ** من كل طاهرة الدماءِ براءُ
ـ قالوا هناء عربٌ وجامعةٌ وهمْ ** يدرون أن رجالها سفهاء
ـ وعروبة الآتين من ماخورها ** ليستْ كما يتصوَّرُ البسطاءُ
ـ هُم “من ذوي الرايات” في فحشائهم ** حتى النخاع وبئس ذاك الداءُ
في هذه الأبيات يُعَرِّضُ الشاعرُ بمن أعتدى على اليمن من عرب الخليج فيقول في صدر البيت:(ويقول بُعران الهوان بأنهم) وكلمة بعران جمع بعير وهو هنا يقصد حكام الإمارات والسعودية حديثي النعمة لكنهم إلى الهوان والسخرية أقرب، وفي عجز البيت يستنكر عليهم تنصلهم ونكرانهم لإراقة دماء اليمنيين الطاهرة، وفي صدر البيت الثاني يشير إلى جامعة الدول العربية بأنها ليست صاحبة حلٍ وعقد ولكن من يمثلونها مجموعة من السفهاء يتمظهرون بالعدل والإنصاف وهم يخضعون لسطوة المال، في البيت الثالث يقول منطوق البيت أن العرب القادمين من بلدانهم كممثلين عنها إلى الجامعة العربية ليس كما يتصور البسطاء من الناس أنهم يمثلون العدالة والحق ويأخذون على يد الظالم وينصرون المظلوم، لكنهم من أصحاب الرايات، وهذه إشارة إلى ما كان في العصر الجاهلي وبعض الدول المُنْحَلة اليوم التي يكون فيها أماكن خاصة للبغاء وترفع تلك الرايات في الأماكن دلالة على توفر أماكن للبغاء فيها، وقد حَقَّر الشاعرُ ذلك في قوله:( وبئس ذاك الداءُ)، أي داء البغاء، وحين نعود إلى عدد من الكلمات في تلك الأبيات مثل: بُعران الهوان، أن رجالها سفهاء، هُم “من ذوي الرايات”، في فحشائهم، وبئس ذاك الداءُ، نجد أنها تشكل مداميكَ الهجاء في بنية الأبيات أكان على المستوى اللفظي أم المستوى الدلالي العميق، وقد شكلت وحدات دلالية وإن كانت بمفردها وحدات صغراء إلا أنها تتكامل مع سياق البيت كلِّه لتعطي الدلالة وتصيب مقاصد النص، إذ لا وجود لألفاظ مستقلة بمفردها، ولا تشتغل الألفاظ وحيدة بمعزل عن بقية الألفاظ إذ لابد من علاقة رابطة بين لفظ وآخر، فالصورة ـ في أي لغة من اللغات ـ تقيم علاقات موضونة فيما بينها، وترتبط، أو تتجمع، أو تتقابل وتتشابك بفضل سياقاتها المشتركة، أو المختلفة، وتكون البُنى العلائقية بين كل لفظ وآخر متعددة، ولا يتم إدراك بعضها أو فهم معانيها ودلالاتها إلا من خلال هذه العلاقات الناشئة بين الملفوظ والمدلول.
ـ وتنوح “خيبر” في الدِماء وينبريْ ** معها نفاقُ المال والطلقاء
ـ ولأننا يمنٌ بكلِّ أصولهِ ** وفروعه لم يَثنهِ الإيذاءُ
جئنا من الشـــمم العــصيِّ يزفُنا ** أنَفٌ إلى غمراتها وإباءُ
في هذه الأبيات يجري الشاعر شيئاً من المقارنة بين اليمن والحجاز (السعودية) فيشير في صدر البيت الأول إلى ما ينسب به البعض (آل سعود) وأصولهم إلى يهود خيبر فيقول:( وتنوح “خيبر” في الدِماء وينبريْ) أي أن آل سعود يوغلون في سفك دماء اليمنيين، وهنا يساوي بينهم وبين الصهاينة في فلسطين بما يقومون به من إبادة جماعية لإخواننا الفلسطينيين على أرضهم المغتصبة، ويساعدهم في ذلك المال والمنافقين الذين أطلق عليهم في عجز البيت الطلقاء وهي إشارة إلى كفار قريش، حينما جاؤوا إلى رسول الله يوم فتح مكة فقال لهم:” أما ترون أني فاعلٌ بكم؟) قالوا:(أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فقال:(اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وفي البيت الثاني يفتخر باليمن وأهله وعزيمتهم وصمودهم فيقول:( ولأننا يمنٌ بكلِّ أصولهِ * وفروعه لم يَثنهِ الإيذاءُ)، ومن خلال الإحالات التاريخية في البيتين تتجلى صورة التاريخ في النص من خلال الأحداث التاريخية التي رفد بها الشاعر النص، عبر تناولها في بنية النص وأبعاده، وقد أعطى التاريخ أهمية لتلك الإحالات حين صار متماً ثقافياً ومعرفياً للمتلقي من خلال إشارته إلى (خيبر، والطلقاء، وذكره لليمن وما تكتنزه من مدلولات تاريخية وحضارية)، إذ شكلت تناصاً مهماً مع تلك الأحداث وما تُذَكِّر القارئ به، وفي البيت الثالث يصف أهل اليمن بإبائهم وكبريائهم وشموخهم وبأسهم، ويواصل افتخاره بوطنه وتاريخه وبسالة أهله ومكانتهم في الفتوحات الإسلامية فيقول:
ـ وتظل رايتنا وراية باسنا ** أعلى وفيها الجمرُ والجوزاءُ
ـ فيها “أبو ذرٍ وعمَّارٌ” ومن ** فرسانها “الأوسية” الغراءُ
ـ فيها “عفاريت السلالم” كلما ** صعدوا تماهت فيهمُ الأجواءُ
وهنا يُذَكِّرْ من أسْمَاهُمْ (البعران) بمكانة أهل اليمن في التاريخ الإسلامي مشيرا في البيت الأول إلى رايات أهل اليمن الخفَّاقة عالياً، أما في البيت الثاني ـ بعد أن ذكر رايات أهل اليمن ـ فيقول:( فيها “أبو ذرٍ وعمَّارٌ” ومن)، وهو بذلك يشير إلى بعض صحابة الرسول الأعظم من أهل اليمن وهما (أبو ذرٍ الغفاري)، و(وعمَّار بن ياسر) اللذان ينسبان إلى الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج اليمانيتان، وهو بذلك يعود بالمتلقي الكريم إلى البعد التاريخي للأنصار ووقوفهم إلى جانب الرسول ومساندته ومؤازرته حين فرَّ بدينه هروباً من كفار قريش من مكَّة إلى يثرب التي آوته ووقفت إلى جانبه بل وحمته من مكايد كفار قريش، ومن ثمّ أنطلق بدعوته من هناك إلى أنحاء العالم، وقد جسد الشاعر ذلك في البيت الثاني يتضح هذا جلياً في مفردات البيت من خلال توظيف المفردات واستدعائها في نص من النصوص كالمفردة التراثية عامة وخاصة النصوص الدينية في الشعر، التي تعد من أنجح الوسائل، وذلك لخاصية جوهرية في هذه النصوص، إذ تلتقي مع طبيعة الشعر نفسه، وهي أنها مما ينزع الذِّهن البشري لحفظه ومداومة تذكره، فلا تكاد ذاكرة الإنسان في كل العصور تحرص على الإمساك بنص من النصوص إلا إذا كان دينياً أو شعرياً، أما في البيت الثالث فيشير إلى(عفاريت السلالم) وعفاريت السلالم هم جنود اليمن في حرب 2015م الذين استخدموا السلالم في تسلُّق الجبال حتى وصولوا داخل العمق السعودي في أعلى قمم جبال المخلاف السليماني وباغتوا جنود السعودية المحصنين في أعلى القمم بقولهم المشهور(سلم نفسك يا سعودي)، وكلمة عفاريت السلالم تذكرنا بمركزية الكلمة عند (جاك دريدا)، إذ يرى أن المعنى ليس حاضراً مباشرةً في الكلمة، وإنما هو متأرجحٌ بين الحضور والغياب، ومتأرجحٌ أيضاً بين الدلالة على الشيء والدلالة على غيره، بفضل الأثر الذي تتركه الدوال الأخرى، وإذا عدنا إلى عفاريت السلالم، نجد أنها غامضة ليس لها معنى إذا لم يكن المتلقي يعرف أبعاد النص وبنيته الدلالية، ويعرف مضان الكلمة في موضعها من النص، ويعرف أيضاً بعدها الواقعي، وحين يعرف ما ترمي إليه يجد أنها بالفعل كانت مركزية في موقعها من النص.
ـ يا جرحَ ضحيانٍ بخاصرتي انتظرْ ** غدهُ وفيه الشوقُ والأشلاءُ
ـ شوقُ البنادقِ للقصاص كأنها ** بيد الأُباة نيازكٌ سمراءُ
ـ موت البراعمِ فوق كل مصيبةٍ ** وجعاً إذا لم يثأر الشرفاءُ
ـ إن لم تشنُّوها أبابيلاً على ** “نجدٍ” فما للأبرياء عزاءُ
في هذه الأبيات الأربعة التي يختم بها الشاعرُ قصيدة ضحيان يدعو فيها للثأر للأطفال الذين تم قصفهم، ففي البيت الأول ينادي جُرح ضحيان وهو كناية عن موت الأطفال الذين قضوا نحبهم في هذه المجزرة، وفي البيت الثاني يُعزز نداء الثأر بقوله:( شوقُ البنادقِ للقصاص)، وهنا يؤكد أن مطلبَ القصاصِ واجبٌ حتى من البنادق، فالبنادق متشوِّقة له وتنتظره بفارغ الصبر، ويشبه البنادق في يدِ الجند بالنيازك السمراء، وفي البيت الثالث يقول ملفوظ البيت أن موتَ الأطفال تفوق كل موت وهو مصيبة إذا لم يثأر لهم الشرفاء من اليمنيين، وفي صدر البيت الرابع يقول:(إن لم تشنُّوها أبابيلاً على)، وهنا يشير إلى معركة الفيل الذي توجه مع قومه من الأحباش لهدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيرَ الأبابيل ترميهم بحجارة من سجلٍ وقد شرحت تفاصيلها سورة الفيل في القرءان الكريم، أما في عجز البيت فيقول:( “نجدٍ” فما للأبرياء عزاءُ) وهنا يحدد المكان الذي يجب أن يشن اليمنيون حربهم عليه، وهي نجد المسماة اليوم “السعودية”، فالشاعر الشرفي في هذا العمل الإبداعي الذي واكب التطورات التي تَحْدثُ في اليمن لا يجرد اللغة الشاعرة من معانيها بل يحاول أن يدمجها في علاقات تحددها ثيمات العمل الفني وبنيته، وهو بهذا يصوغ شيئاً جديداً قد يكون موجهاً ومخصوصاً لكنه بالضرورة غير مألوف، وبمهارة فائقة حاول الشرفي أن يفتح آفاقاً جديدة عمل من خلالها على تطوير المفاهيم اللغوية، وتفجير الطاقات القصوى للغة في ظروفٍ مضطربٍ تشهد اللغة فيها انحساراً وفقداناً لمصادر التعبير تحت وطأت حربٍ ليس لها مبرر.
إن بنية النص بمنظورَيه السطحي والعميق تؤججان في نفس المتلقي ينابيع الألم والتحسر على تلك البراعم البريئة التي سُفح دمها دون أن تعرف لماذا؟ وكيف؟ لكنها ذهبت طيوراً في الجنة وتركت لنا غصَّة تخنق حلوقنا كلما تذكرناها، وليس أدل على ذلك من تَحَسِّر منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن:
ليز غرندي
هذه المرأة الأجنبية ذرفت دموعها بغزارة أمام هذه الحادثة وهذا المصاب الجلل، لكن الشاعر الشرفي جسَّد ذلك بقصيدة يقول في مطلعها:
ـ للفتاوى وللذقون القبيحة ** بَعَثَتْها رسالةً مَفْتُوْحةْ
ـ كتبتها دُمُوْعُها بضميرٍ ** فيه عيسى وأُمُّهُ المجروحةْ
ـ من رأى قلبها أليم التشظِّيْ ** من رأى دمعها شديدَ المُلُوْحَةْ؟
في هذه الأبيات يضع الشاعر المتلقي أمام مفارقتين دينيتين الأولى لمطاوعة النَّفاق وذقونهم التي وصفها بالقبيحة وهم الذين أفتوا بالعدوان على اليمن، والمفارقة الثانية هي إنسانية (ليز غرندي) التي ذرفت الدموع وهي تشاهد تلك المأساة، وقد قال الشاعر أن دموعها هي رسالة للفتاوى وللذقون كتبتها بدموعها وبضمير نبي الله عيسى عليه السلام، وهذا الأسلوب البلاغي والإبداعي يحيل في تناصه الضمني إلى ما جاء في القرءان الكريم بصورة مريم، ذلك لأن مهمة التناص هي الربط بين حدثين متشابهين أو استدعاء لحدث سابق وتوظيفه في حدث جديد، أو أنه اعتماد نصٍّ من النصوص على غيره من النصوص النثرية أو الشعرية القديمة أو المعاصرة الشفاهية أو الكتابية العربية أو الأجنبية، ووجود صيغة من الصيغ العلائقية والبنيوية والتراكيبية والتشكيلية والأسلوبية بين النصوص، الحاضرة والماضية، وفي البيت الثالث يتساءل الشاعر عن رؤية حالتها وهي تقف على تلك المأساة فيقول:(من رأى قلبها أليم التشظِّيْ)، أي أن قلب تلك المسيحية قد تشظى من شدَّة الألم، وكذلك كان دمعها شديد الملوحة وهي كناية عن شدة الألم.
ـ أخت عيسى وأدمعٌ تتمنَّى ** لو رأتْ قلبها لهمْ أرجوحةْ
ـ والفتاوى فيها وفي كلِّ طفلٍ** كيف صارت حيالها مفضوحة
ـ “الحوارية” الحزينةُ قالتْ ** يا دماءَ البراءةِ المسفوحةْ
في الأبيات الثلاثة السالفة تتوكأ معانيها على الألم الإنساني عند (ليز) التي تدين بالنصرانية وفي النصرانية ـ كما أخبرنا القرءان الكريم ـ المحبة والتسامح والشفقة لذلك أشار الشاعر إلى تلك المعاني بقوله:(أخت عيسى وأدمعٌ تتمنَّى)، ولمجرَّد ذكر نبي الله عيسى عليه السلام ينصرف ذهن المتلقي إلى الديانة المسيحية وما حملته منسِّقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة من عواطف إنسانية وإحساس بألم أطفال ضحيان، وفي عجز البيت تتمنى أن يكون قلبها لهم أرجوحة بدلاً عن الصواريخ التي أودت بحياتهم، وهذا التعبير قد أضحى متداولاً منذ حرب 1973م ضد العدو الصهيوني وتحديداً في قصيدة (العبور) للدكتور عبدالعزيز المقالح الذي قالها بمناسبة انتصار الجيش المصري في هذه الحرب وعبوره قناة السويس، وقد قال في أحد أبياتها:
وددت لوكنت يوماً في مواكبهم ** أو أنني كنت جسراً حينما عبروا
وفي البيت الثاني يشير مرة أخرى إلى الفتاوى السياسة والكيد والنفاق التي أضحت في خدمة الحاكم وسياسته وليس لما يخدم الدين والحق والعدل، وفي البيت الثالث يقول:( “الحوارية” الحزينةُ قالتْ)، وهنا يذكرنا بالآية القرءانية التي تشير إلى أصحاب عيسى من الحواريين في قوله تعالى:(فَلَمَّا أحسَّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصَاريَّ إلى الله قال الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أنصار الله ءامنَّا بالله وَأشْهدْ بأنَّا مُسْلِمُون)، وذلك الإيحاء اللفظي يدل على أن الشرائع السماوية تتفق فيما بينها على ثوابتَ إنسانية وقِيَميَّة هي من أصول الدين الواحد الذي هو الإسلام، لذلك أوضح الشاعر في عجز البيت على لسانها قولها:( يا دماءَ البراءةِ المسفوحةْ)، وهذا يعني ما ذهبنا إليه من اتفاق الشرائع على القِيم والمبادئ الإنسانية التي هي لغة مشتركة ومبدأ ثابت في الشرائع الدينية السماوية الثلاث إلا المارقين عنها في كل الشرائع.
ـ “ليز يا ليز” والمصائبُ أحنى ** من هوانِ النماذجِ المنكوحةْ
ـ أنتِ تبكين والعروبة تحييْ ** حفلاتِ النخاسةِ المقبوحةْ
أنتِ تبكين والملايين فيها ** ما لها للخلاص من مندوحةْ
ـ نحن “يا لِيْزُ” بائسون لأنَّا ** من جحيمِ الدولار في “بَحْبُوحةْ
يفتتح الشاعر هذا المقطع من النص بنداءِ (ليز) في صدر البيت مشيراً على أن المصائب أكثر حِنيَّة ورحمة، وفي عجزه يوضح أن تلك المصائب أخف على الناس من هوان النماذج الرديئة لحكام الدول المعتدية على اليمن، وقد وصفهم بالنماذج المنكوحة، إن تكرار النداء (لليز) ـ في مفتتح الأبيات توحي بالصراخ في وجه تلك الوحشية البربرية التي قتلت الأطفال، يسألها من أين يأتي هذا التَوَحُّش؟ المُتَلوُّن المتغيِّر غير المألوف، المتعالي، المنحط، أليس هذا يدلُ على الذات التي تعيش المتناقضات في توجه أولئك الحكام المعتدين على اليمن، وهم من يدَّعون حماية الإسلام والمقدسات والقيم الإسلامية، في البيت الثاني يواصل الشاعر مخاطبة منسقة الشؤون الإنسانية بالقول:(أنتِ تبكين والعروبة تحييْ، حفلاتِ النخاسةِ المقبوحةْ)؟ وهو تساؤل استنكاري للمقارنة بين أبناء جلدتنا المعتدين علينا وتلك المسيحية التي تفيض إنسانية وحزناً على ضحايا ضحيان، وهذا يجسِّدُ بنية النص في أبعاده الإنسانية والقيمية التي أراد لها الشاعر أن توصلَ مقاصد النص إلى مبتغاه في الحزن والألم والسخرية والاستهجان للمعتدين، وفي البيت الثالث كذلك تساءل عن بكاها منفردة والملايين من غيرها ليس لهم أي مشاعر إنسانية وقِيَمَيَّة، وفي البيت الرابع يحدثها عنَّا نحن العرب عامة واليمنيين بخاصة، فيقول بائسون لكن بؤسنا يتمثل بجحيم الدولار الذي يجعلنا في بحبوحة، وهو بذلك يعني بؤس حكام السعودية والإمارات الذين أتخموا بالدولار لكنهم لا يعرفون كيف يتصرفون به إلا بإثارة الفتن بين العرب والاعتداء عليهم بتمويل الحروب والعدوان عليهم، وتسعى هذه القراءة إلى استكناه بعض ملامح الحزن في بنية النص وأبعاده الإنسانية، الذي يعالج قضايا علاقة الذات بالأخر، وكذا الأنساق الاجتماعية والسياسية وانعكاساتها على محيطها، وكشف فرض هيمنة هذه الأنساق عليها بطريقة تجعلها ترفض الآخر المعتدي وتنبذ تسلُّطه.
ـ “يا حَوَارِيَّةَ” المسيح اطمئني ** فلدينا لكلِّ غازٍ شريحهْ
ـ كم عدوٍ بالمفزعات دهانا ** فانتزعنا من بين جنبيه روحهْ
في هذين البيتين يصل الشاعر إلى طمأنة (ليز) بان اليمن مقبرة الغزاة، ولديها لكل معتدٍ طريقة إلى هزيمته وقد عبَّر عنها بالشريحة، وهو لفظ عصري كناية عن الطرائق لدى اليمنيين في هزيمة الغزاة ونزع أرواحهم من بين جنوبهم.
إن المعجم اللُغوي للبيتين السالفين يلخِّصُ مجمل ما يريد الشاعر قوله فيما سبق من النص وهذا يعني المزاوجة بين اللغة وسياقها الاجتماعي والتاريخي، حيث كانت المحايثة هي التي افضت إلى الرَّبط بين الفاعل اللغوي بوصفه المتلفَّظ وفعله اللغوي التلفظي، لنربط بين اللغة وسياقها الاجتماعي أو التاريخي، وفق قوانين علاقات الحضور والغياب بوصفها قوانين جدلية تاريخية تفظي إلى دراسة بنية النص وابعاده، ومن ثمَّ نخلص إلى القول أن الشرفي قد وضع العدوان على مائدة الفضيحة الَّا أخلاقية والَّا إنسانية من خلال تلك القصيدتين اللاتين قمنا بقراءتهما قراءة متواضعة، متلمسين أغراضها ومقاصدها .
ومن ديوان (قصائد البركان) نختار قصيدة:
حــرج صــنعاء
في قصيدة (جرح صنعاء) يصف الشاعر لليلة الهجوم على صنعاء 26من مارس 2015م في الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما أغارت الطائرات السعودية الإماراتية على عاصمة الحضارة اليمنية صنعاء، فيقول:
ـ في مساءٍ آفاقُهُ مُكفهرَّه ** بَاغَتَونا بها على حِين غِرِّه
ـ كان صمتُ الظلامِ في كل ركنٍ ** يتهجَّى ما قال “شيخ المعرَّة”
ـ ثم تَنشَقُّ منهُ ألفُ سماءٍ ** للدَّواهيْ مُصْفرَّةً مُحْمَرَّة
في الأبيات ما يشير إلى العدوان السعودي الصهيو أمريكي على اليمن، إذ يصف الشاعر تلك الليلة بالمساء المكفهرَّ، الذي باغتونا به رغم أننا لم نعتدِ
عليهم، كما يصف في البيت الثاني الحالة التي أصابت الناس عقب ذلك الاعتداء فيقول:( كان صمتُ الظلامِ في كل ركنٍ)، أي أنا الناس كانت مذهولة ومبهورة مما جرى دون سبب وجيه يذكر، وهذا الإرباك شبهه بمن يتهجى ما يكتبه الشاعر والأديب والفيلسوف أبو العلاء المعري، وهو من معرَّة النعمان ولد سنة 363هـ وتوفي فيها سنة 449هـ، وقد لقُّب برهين المحبسين لأنه فقد بصره في سنٍ مبكرة والمحبسين هما: (الفقر والعماء)، وقد شابهه البردوني في ذلك، وفي البيت الثالث يشير الشاعر إلى قوى التحالف التي ساندت العدوان وكشَّرت عن انيابها في سبيل الحصول على رضاء مملكة المال، وقد أشارت إلى ذلك العدوان عدة محددات لفظيَّة في بنية هذه القصيدة مثل: العنوان، والمساء المكفهر، وباغتونا، فالعنوان ينتمي إلى النص المحيط، ويمثل مفتاحاً إجرائياً يَلُجُ من خلاله المتلقي إلى أعماق النص، ويقدم صورةً استباقيةً لمضامينه وعوالمه، ويُعد جزءً من النص، ومنتزع من بُناه التركيبة. ويواصل الشرفي رصَّ أبياته مبينناً وفاضحاً لذلك العدوان ومبيناً تطاوله على بلد الحضارة والتاريخ اليمن فيول:
ـ وغَدونا نستنبئُ الصَّبحَ ماذا؟ ** ونعيدُ السُّؤالَ سبعين مرَّة
ـ ثُمَّ قالت أخبارُهُ أنَّ فأراً ** مَلَكيَّ القُوى يُدَحرجُ صَخْرَة
ـ الجوارُ المَعتوُهُ مِنْ كلِّ بئرٍ ** هَبَّ … والكأسُ في يدِ البغيْ مُرَّه
ـ لَاحَ فيها بألفِ مثقالِ فيلٍ ** ثُمَّ أضحى ولا بمثقالِ ذرَّه
في هذه الأبيات الأربعة يُحجِّمْ الشاعر دول العدوان ويضعها أمام نفسها في تناقض عجيب حينما يضع المتلقي أمام ما سياتي به الزمن من أنباء عن الغَلَبةِ في الحرب فيقول في صدر البيت الأول:( وغَدونا نستنبئُ الصَّبحَ ماذا؟)، إذاً هو يضع العالم أمام تساؤلٍ عن الغلبة في الحرب؟ وفي عجز البيت يعيد هذا التساؤل سبعين مرَّة وهذا تأكيد للمتلقي للتنَبُهِ والترقُّبِ لما ستؤولُ إليه الغَلَبة في الحرب، أما في البيت الثاني فيبدأ الشاعر بوضع المتلقي أمام مقارناتٍ بين المُعْتَدي والمُعْتدى عليه فيقول:( ثُمَّ قالت أخبارُهُ أنَّ فأراً)، وهنا يتجلى الجواب الشافي للتساؤل الذي طُرحَ في البيت السابق والجواب تحمله أخباره أن فأراً ملكي القوى يدحرجُ صخرة، وهذا من المستحيلات، وهو بذلك يقارن بين النقيضين المستحيلين، لكنه يُحجَّمُ العدوان ويشبههُ بالفأر الذي يدحرج صخرة، وهنا يشير الخطاب النصي إلى ما يسمى جامع النص أو الجامع النَّصي، وهو ما يدعوه جيرار جينيت بعلاقة التداخل التي تَقْرنْ النصَ بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي إليها النص مشيراً إلى أن موضع الشاعرية ليس النص المنظور في حالته الانفرادية بل إن موضوعها هو جامع النص، ويعني ذلك مجموع المقولات العامة أو المفارقة التي ينتسب إليها أي نص، في صدر البيت الثالث يحددُ الشاعر العدو فيقول:(الجوارُ المَعتوُهُ مِنْ كلِّ بئرٍ)، والجوار إشارة إلى جارة السوء السعودية التي ما انفكت تحاربُ اليمن منذ عام 1934م تحت ذرائعَ كثيرة وأسباب واهية، لكن الشاعر يفضحها بحجمها بالمقارنة مع اليمن فيقول في البيت الرابع:( لَاحَ فيها بألفِ مثقالِ فيلٍ * ثُمَّ أضحى ولا بمثقالِ ذرَّه)، في هذا البيت يضوع الشرفي موازين العدالة الحضارية بين اليمن وجارتها، مستخدماً التناص المعنوي الذي يشير إلى سورة (الزَّلزلة) لكنه يؤكد أن الجارة ظهرت في بداية الحرب (بألف مثقال فيلٍ) ثم انتهت لا تساوي مثقال ذرَّة، وهذا الربط والإشارات الشعرية تحتاج إلى قارئ مثقف للالتقاط معانيها ودلالاتها وحينئذٍ يكون النَّص هو أنت بكل مكوِّناتك الفكرية والأيدلوجية والبيئية، من منظور أنه ـ أي النَّص ـ مجرَّد مرآة، أو مجرَّد سطح ناعم شفاف مقعر أو محدَّب يعكس أو يشف بشكل آلي لون أو شكل أو ظل الوجود الماهوي الجاهز للشيء، لأن الأصل في المرآة أو فيما حاله من النصوص حالة المرآة أو حال تلك الأسطح، في حين أن النص وبخاصة نص الكلام الإبداعي عبارة عن كلام حيٍّ وحيوي مفتوح على المتعدد واللانهائي، فالاقتراب من النص والاستئناس بمعطياته يفتح آفاق هذا الاستنطاق النَّصي الذي يحتم عليك إشراع نوافذ القراءة بكل معطياتها لأجل احتوى النص واستيعاب ما أمكن من معطياته النصِّية، فالنص لا يقل شأناً عن اللوحة الفنية الإبداعية التي تعكس ثقافتك إليك، فكلما كنت مثقفاً كلما قرأت اللوحة بأوجهها المتعددة إذ تعدُ المعرِفة كالماء كل يشرب منه بقدر ظمئه.
ـ كم تعرَّتْ أمام جيشٍ كريمٍ ** وبلادٍ كجبهةِ النجمِ حُرَّهْ
ـ ثمَّ بانت كأيِّ خيطٍ عتيقٍ ** حَطَّه العنكبوتُ في حلقِ جَرَّهْ
ـ ثمَّ كُنَّا لها سِلاحاً وشعباً ** كان أدرى بنفعها والمضرَّهْ
في هذه الأبيات يصلها الشاعر بما قبلها ففي البيت الأول يكشف عن مدى هشاشة السعودية أمام الجيش اليمني الذي يصفه بالكريم، وهل هناك أكرم ممن يجود بدمه فداءً للوطن؟ وكذلك شبه البلاد بجبهة النجم لسموها وارتفاعها وصمودها، وفي البيت الثاني يشبه الخصم بخيط عتيقٍ (هَتِلْ) مهلهل يمكن للعنكبوت أن يجرَّه ويضعه في حلق جرَّة نظراً لخفَّته وعدم عسارته، وفي البيت الثالث يتحدث عن الحرب فيقول:( ثمَّ كُنَّا لها سِلاحاً وشعباً) وهنا يشيرُ إلى تكاتف وتعاضد الجيش ومِنْ خَلْفهُ الشعب بصموده وتحمله المشاق والصبر على نوائب تلك الحرب، ويؤكد معرفة الشعب والجيش معاً بنفعها وضرها، ففي بنية الأبيات نجد كيف تتواشج الألفاظ لتعطي دلالة إيحائية بمقاصدها الساخرة بالجارة المعتدية على اليمن، إذ جمع الشاعر بين المتضادات في الأبيات ليعطي صورة بنائية نصِّية تولد لنا من خلالها شعرية التضاد وهي شعرية فلسفية تعبر الذات بها عن تناقض الأشياء وتوحدها معاً ومعرفة النقيض من خلال نقيضه، معرفة وحدة صراع الأضداد المتمثل بقول الشاعر: تعرت، جيش كريم، جبهة النجم، خيط عتيق، كنا لها ، سلاحاً وشعباً، نفعها والمضرَّة، كما جاء في فلسفة هيجل ولا يخفى أن الذات تتماهى هنا مع المقهور والمقبور، اليمن التي تمرد وانتصر على من يعتقدون أنهم بالمال سيشترون كلَ شيء ويهزمون كل شامخ وأبي ومعتز بحضارته، ويواصل الشاعر وصف انتصار اليمن على المتغطرسين فيقول:
ـ ثُمَّ قال الميدانُ كيف بَزَغنا ** في جبينِ الملاحمِ البِكْرِ غُرَّه
ـ ثُمَّ قُلنا للصَّبر زِدْنا جَلَاءً ** لِيَرانا “سلمانُ” مِنْ حَيثُ يكره
ـ ولمن راهنُوا على السُّحتِ قُلنا ** قد وقعتُمْ هُناك في شرِّ حُفره
ـ كم أبحتُمْ أعراضَكُمْ في الزِّوايا ** وسفَحتُم فيها عَفَاف الأسِرِّه
في هذه الأبيات الأربعة ينتصر الشاعر لوطنه وبطولاته ويواصل فضح المعتدي المتغطرس وكيف آلت إليه الذلة والمسكنة بعد أن انقلب السحرُ على الساحر، فيقول في البيت الأول:(ثُمَّ قال الميدانُ كيف بَزَغنا)، إذاً اسكت الشاعر الأفواه وأنسن الجماد وجعل من الميدان شاهداً على بطولات اليمنيين أنهم أصبحوا في جبين الملاحم البكر غرَّة، ذلك بعد أن توهم العدو أنه الغالب بماله وبمساندة غيره، لكن الصبر والثبات على امتصاص الضربات وبناء القدرات حوَّلت الأمر إلى النقيض فتغلَّب اليمن على عدوه وأضحى (يبحث من الغنيمة بالإياب)، يتضح ذلك من قول الشاعر في عجز البيت الثاني:( لِيَرانا “سلمانُ” مِنْ حَيثُ يكره)، أي أن ملك الجارة لم يكن يريد أن يرى اليمن في محل المنتصر، كان بذلك يخاطب السعودية أما في البيت الثالث فيخاطب اليمنيين الذين صفُّوا إلى جانب العدوان فيقول:(ولمن راهنُوا على السُّحتِ قُلنا ** قد وقعتُمْ هُناك في شرِّ حُفره)، أي أن من راهنتم عليهم لنُصرتكم قد خذلوكم لأن ما يُقَالُ منهم غير ما يفعلوه، ولذلك قد وقعتم في شرِّ حفرة، أما في البيت الرابع فيشير الشاعر إلى تنازلات أولئك المرتزقة فيقول:(كم أبحتُمْ أعراضَكُمْ في الزِّوايا)، وهذا يؤكد مدى انبطاح من رهنوا قرارهم بدول العدوان، فكل ما تقدم في الأبيات يشكل نسيجاً من الدلالات يربط بعضه بعضاً كالخيوط التي تجمع عناصر الشيء المتباعد في كيان كلي متماسك في بنيته في كلام يقال أو يكتب من أجل أن يكون كياناً مُتَّحداً، ولا عبرة بطوله أو قصره إذ يتجلى فيه الترابط النحوي على أشدَّه، بالإضافة إلى العناصر التي يتألف منها لا بد أن يتبع بعضها بعضا بطريقة تُيسِّر على المتلقي تسلُّم الرسالة التي يبثها المتكلم أو الكاتب فيه، ويستوعب محتواه الكلي ، يشيء النص بفضح من سلموا رقابهم للمعتدي خارج اليمن.
ـ لا “الرياض” الخُنثى حماكُم ولا مَنْ ** رَاح للأشقياءِ يكْشفُ سِرَّه
ـ قال عنكُمْ “بَلاطُ سَلمانَ” شيئاً ** كالمسامير يملأُ القلبَ حسره
ـ أيَّها الفَالتُون أرضاً وعِرضاً ** وعُرُوشاً على المخازي مُصرَّه
ـ جُرحُ صنعاءَ غائرٌ يا صديقي ** وستَأتيْ أوجاعُهُ مسبَطِرَّه
في هذه الأبيات يتضح من خلال معجمها اللفظي مدى توجُّع الشاعر وألمه من ذلك العدوان ومرتزقته على حَيبته اليمن وتوضح الكلمات 🙁 الرياض، بلاط سلمان، يملأ القلب حسرة، أيَّها الفالتون، أرضاً وعرضاً، جرح صنعاء) كل هذه المفردات تكشف وتعرِّي العدوان ومرتزقته الذين باعوا الأرض والعرض، فقد شكلت البِنْية اللغوية والنصيَّة لهذه الألفاظ في سياقاتها وأبعادها الدلالية بركان سَخَطٍ ونقمة على أولئك المعنيين في الخطاب الشعري وهنا يكمن الجمال الشعري، إذ لا يمكن رصدُ الجمالِ إذا اكتفينا بالنظر إلى التشكيل البصري للنص، بل يجب أن ندع البِنية اللغوية والبعد الدلالي يثيران فينا الحماس والتفاعل لأن وظيفة الكلام هنا جمالية تأثيرية إذا غصنا في أعماق النص، وليس لنا أن نتأثر في أعماقنا إذا اكتفينا بالسطوح، ففي صدر البيت الأول يقول:(لا “الرياض” الخُنثى حماكُم ولا مَنْ)، وهنا لا يعني الرياض المدينة والجغرافيا لكنه يرمز بها إلى حكامها والقائمين عليها، وقد وصفها بالخُنثى، لأن الخنثى شخصية غير مؤهلة لصنع شيء ولا تؤدي وظيفة إيجابية، لأن الأنثى لها وظيفة إيجابية والذكر له وظيفة إيجابية أيضاً، لكن الخُنثى لا تنتمي لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، فهي مسخ بينهما، وفي البيت الثاني يقول:(قال عنكُمْ “بَلاطُ سَلمانَ” شيئاً)، هذه الإشارة بقول سلمان تثير الرِّيبة وتشير إلى تحقير بلاط سلمان لليمنيين الأباة لكن أولئك الذين رهنوا قرارهم بهم لا يعبرون إلا عن أنفسهم أفراداً فقط، ويكمل في عجز البيت تلك الحسرة على مذلَّة اليمنين فيقول:(كالمسامير يملأُ القلبَ حسره)، إذاً تلك الإهانات التي يتلقونها المرتزقة من حكام المملكة وحاشيتهم تترك في قلوب أحرار اليمن حَسْرةً إشفاقاً على إذلالهم، ورغم كل ذلك فهم مصرين على ما هم عليه، فيقول في صدر البيت الثالث:(أيَّها الفَالتُون أرضاً وعِرضاً)، وهنا يوضح الشاعر انفلاتهم وليس انفلاتاً شخصياً بل جعلوا الأرض مباحة والعرض مباح للغزاة ليعبثوا بها، وهذا واضح في الموانئ والجزر اليمنية، ويختم الشاعر أنينه والمه على بلده بقوله في البيت الرابع:(جُرحُ صنعاءَ غائرٌ يا صديقي)، وصنعاء هي رمز للوطن بمجمله لأنها العاصمة التاريخية لليمن عير العصور، ورمز لأهل اليمن المجروحة أعماقهم على بلدهم المذبوح من أهله ومن غير أهله، لقد استثمر الشاعر مفردات أبياته في غايات وطنية تفضح من كانوا سبباً في جرح الوطن وضياعه وشتاته، وذهبت بنية النص ودلالاته إلى كشف ما هو مخبوء في مزاج المواطن اليمني من ألم وحسرة.

* (ورقة عمل مقدمة للندوة التي نظمتها الهيئة حول الشاعر الكبير حسن عبدالله الشرفي)

 

إقــرأ أيضــا | مواضيع ذات علاقة